الرئيسية / مقالات / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علم الرياضيات فى التاريخ الإسلامي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علم الرياضيات فى التاريخ الإسلامي

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، التاسع والعاشر الميلاديين، إما مباشرة من اللغة الإغريقية، أو بواسطة اللغة السريانية.

وقد بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات بترجمة المأثور من معارف هذا العلم في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية.
وقد شمِلت حركة الترجمة معظمَ المصنَّفات الرئيسية المهمة في الرياضيات الإغريقية.

أما قصة انتقال الرياضيات الهندية إلى الحضارة الإسلامية – وهي عامل مهم بدرجة حاسمة في تطور الرياضيات عمومًا – فليس من السهل إزالة الغموض عنها، وتخليصها من الأساطير.

وطبقًا لرواية مصدر عربي؛ وَفَدَ إلى بلاط الخليفة المنصور في بغداد سنة (773 م) رجلٌ هندي معروف في وطنِه بتمكُّنه من العلم، هذا الرجل فيما تُقرِّر الرواية عرَف طريقة “السندهند” المتعلقة بحركات النجوم والرياضيات اللازمة لتجليها، وأعد نسخة مختصرة من مؤلف خاصٍّ بهذه القضايا، عندئذٍ أمر الخليفة بأن يترجم هذا الموجز إلى اللغة العربية، وعهِد بذلك إلى الفزاري (ت 777 م) وابنه محمد، ويعقوب بن طارق (ت 796م)، وظل الاعتقادُ السائد أن اتصال الحضارة الإسلامية المباشر بعلوم الفلك والرياضيات الهندية، خاصة الأرقام الهندية قد بدأ في ذلك الحين؛ لكن المصادر العربية الأخرى عمومًا لا تؤيد هذا الاعتقاد[1].

وكلمة “سندهند” تعريب للكلمة الهندية “سد هانتا” Siddhanta، ولا يعرف على وجه الدقة أي من مجاميع السدهانتا Siddhantas – إذا ما كان هذا صحيحًا – هو الذي تُرجم إلى العربية في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلاديين، وتجدر الإشارة إلى أن المؤلَّفات العربية لا تتضمَّن ألبتة أية نصوص أو أي مصدر معلومات باللغة السنسكريتية، أو أي إشارة لعالِم رياضيات هندي، ولا تستشهد بأي مصطلح باللغة السنسكريتية.

والجدير بالذكر أن أكثرَ الآراء المعاصرة قَبولًا؛ هو أن الرياضيات الهندية – (ومعها تقريبًا علم الفلك كالعادة) – قد انساقت تدريجيًّا إلى مناطق الشرق، والسواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط؛ بَدْءًا من القرن السابع الميلادي، وانتقل قدرٌ كبير منها عبر قنوات فارسية[2]، ولَمَّا كان المسلمون قد ورِثوا الحضارة الفارسية فقد انتقلت إليهم كل تلك المعلومات، ضمن ما انتقل إليهم من التراث الفارسي.

وهكذا ورِث المسلمون عن الحضارات السابقة تراثًا معرفيًّا متنوعًا في علم الرياضيات؛ لكنهم لم يكونوا مجرَّد عالة على ما ورِثوه، بل نجَحوا في أن يُطوِّروا هذه المبادئ المعرفية المتباينة لعلم الرياضيات؛ ذلك العلم الذي أصبح وسيلةً مهمة لتحقيق أهداف حياتية نظرية وعملية على حدٍّ سواء.

الحق أن مِن أهم مميزات العرب كما يذكر أحد الباحثين:
أنهم لم يخضعوا خضوعًا أعمى قط لحجيَّة اليونان؛ وإنما نراهم قد نصبوا أنفسهم منذ أوائل عهدهم بالعلوم مراجِعين ومصحِّحين للأخطاء التي اكتشفوها في علوم اليونان وغيرهم.

فالعرب إذًا أخضعوا علوم اليونان والأقدمين لتصحيحاتهم، ثم أضافوا إليها تلك الإضافات الكثيرة الهامة، وأورثوا هذا كلَّه لأوروبا في صورة جديدة، من خلال حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، والحق أن هذا الميراث الذي خلَّفه العرب في صورته الجديدة؛ كان الأساس الذي رجع إليه، واستقى منه جميع العلماء اللاتينيين في العصور الوسطى، حتى تمكَّنوا من الوقوف على أقدامهم في عصر النهضة العلمية، ثم إن العرب نبغوا في تطبيق الرياضيات على الفلك، والعلوم الطبيعية عمومًا، وفتحوا آفاقًا جديدةً في الفلك؛ بقياساتهم وأرصادهم ونظرياتهم[3].

لقد أبدى العلماءُ العرب اهتمامًا فائقًا بفروع الرياضيات المختلفة، وقد سيطر على دراساتهم اتجاهانِ أساسيان:
الأول: استيعاب ما ورِثوه من نظريات من الكتب المترجمة، ثم محاولة الإضافة إليها.
الثاني: تطبيق النظريات والمعارف الرياضية على العلوم الأخرى المرتبطة بها.

وفيما يلي عرض موجز لأهم منجزات المسلمين في فروع الرياضيات المختلفة:
أ- علم الحساب:
أخذ العرب عن الهنود في الحساب نظام الترقيم؛ إذ كان لدى الهنود أشكال عديدة للأرقام، فهذَّبها العرب، وكوَّنوا بها سلسلتين، عُرِفت إحداهما بالأرقام الهندية، وهي المستعملة في الأقطار الإسلامية والعربية، وفيها استعملت النقطة لتدل على الصفر، وعُرِفت الأخرى بالأرقام الغبارية، وفيها استعملت الدائرة (o) لتدلَّ على الصفر، والأرقام الغبارية هذه انتشرت في المغرب والأندلس، ومنها دخلت إلى أوروبا، وأهم مآثر العرب التي استحدثوها في الحساب؛ هي طريقة الإحصاء العشري، واستعمالهم الصفر لنفس الغاية التي نستعملها الآن، ومزايا هذا النظام أنه يقتصر على تسعةِ أعداد فقط وصفر، في حين كانت الأرقام اليونانية والغربية القديمة القائمة على حساب الجُمَّل تشتمل على عدد من الأرقام بقدر حروف الهجاء.

وكان العالِم الرياضي (غياث الدين جمشيد الكاشي) أوَّل مَن وضع علامة الكسر العشري، واستعملها قبل (ستيفن)، بأكثر من (175سنة)، وبيَّن فوائد استعمالها، وطريقة الحساب بها، ويذكر الكاشي نفسه – في مقدمة كتابه “مفتاح الحساب”، وعلى الصفحة الخامسة منه – أنه اخترع الكسور العشرية؛ ليسهل الحساب للأشخاص الذين يجهلون الطريقة الستينية، وإذًا فهو يعلم أنه اخترع شيئًا جديدًا[4].

ومن أبرز علماء الحساب في الإسلام: محمد بن موسى الخوارزمي (ت 236 هـ/ 851 م)، أصله من خوارزم، وأقام في بغداد؛ حيث اشتهر وذاع صِيته بين الناس، وقد ظهر في عصر المأمون، وكان ذا مكانةٍ كبيرة في بلاطه، وأحاطه برعايته، وولَّاه بيت الحكمة.

والخوارزمي هو أولُ مَن صنَّف كتابًا في علم الحساب، كان الأول مِن نوعه؛ من حيث الترتيب والتبويب والمادة، “وبيَّن فيه نظام الأعداد الهندي، وطريقة استخدامها عمليًّا عن طريق ضرب الأمثلة على ذلك؛ حتى يسهُلَ على رجال المال والتجارة عملهم، كما عرَض فيه للعديد من الأمثلة، بالنسبة لتقسيم الميراث بين مستحقيه حسبما ورد في القرآن الكريم بطريقة مبسَّطة، وشرح فيه أيضًا طرق الجمع والطرح والقسمة والضرب، وموقع الصفر في العمليات الحسابية”[5].

ومنهم أيضًا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 252هـ/ 867م)، الفيلسوف البغدادي، وقد ترك في علم الحساب أربعة عشر كتابًا؛ منها: كتاب في مبادئ الحساب، وكتاب في استعمال الحساب الهندي، وكتاب في تأليف الأعداد، ورسالة في استعمال الخط المستقيم؛ لتسهيل عملية الضرب.

ب- علم الهندسة:
كان طريق علم الهندسة إلى الحقل المعرفي؛ هو نفسه الطريق المعروف، فقد أدخل “علم الهندسة” إلى العرب عن طريق ترجمة الأعمال الإغريقية، وخاصة “أصول إقليدس”، ومن خلال مجاميع السدهانتا الهندية، وأعقبت فترة الترجمة والبداية في القرن التاسع الميلادي مرحلة إبداع (من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين) جرى خلالها تدريجيًّا شرح الأعمال المترجمة ومناقشتها وتصويبها؛ فعلى الرغم من أن أساتذة أمثال (إقليدس، وأبولونيوس، وأرشميدس) نالوا احترامًا يبلغ حد التوقير والتبجيل، فإن العلماء العرب لم يتهيبوا نقد نتائجهم؛ بل تصويبها في كثير من الحالات[6].

ومن أشهر علماء الهندسة في العالم الإسلامي: ثابت بن قرة الحراني البغدادي وأولاده، وهو أبو الحسن ثابت بن قُرة الحرَّاني البغدادي (221 – 288 هـ؛ أصله من حرَّان، واستوطن بغداد إلى حين وفاته، ونال حظوة عند الخليفة المعتضد (279 – 289هـ/ 892 – 901م)، وكانت له شهرة في علوم متعددة؛ كالفلك والطب والرياضيات والفلسفة، وترجم كتبًا عديدة للأقدمين في كل هذه العلوم؛ لمقدرتِه على إجادة العديد من اللغات، كالسريانية واليونانية والعبرية.

وقد أقرَّ مُؤرِّخو العلوم بريادة ثابت بن قرة في علم الهندسة، وأنه أعظم علماء المسلمين في هذا الفرع، وذكروا له عددًا من النظريات؛ بعضها من إبداعه، وبعضها تطوير وتجديد لآراء قديمة؛ مثل تطوير نظرية فيثاغورث (584 – 495 ق. م)، التي تقول: “إن مربع الوتر في المثلث قائم الزاوية، يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمين”.

وكان من أهم الكتب التي ألَّفها ثابت بن قرة في الهندسة وبعض فروع الرياضيات الأخرى: كتاب (المدخل إلى أوقليدس)، رسالتان في أعمال أرخميدس (أرشميدس) بالهندسة، ومن أعماله أيضًا تعليق على كتاب الكرة والأسطوانة لأرخميدس، وله المختصر في الهندسة، وكتاب في مساحة الأشكال، وكتاب في قطوع الأسطوانة وكتاب (في التفاضل والتكامل) ورسالة في المربع وقطره، إلى غير ذلك من المؤلَّفات[7].

• وأبو سهل الكوهي البغدادي (ت 405هـ/ 1014م):
وله كتاب في الهندسة على نسق كتاب إقليدس بعنوان “الأصول على تحريكات إقليدس”، وله أيضًا كتاب “مراكز الأكر”، وكتاب “البركار التام”، وكتاب “مراكز الدوائر على الخطوط”، وكتاب “الزيادة على كتاب أرشميدس”.

• والحسن بن الهيثم البصري البغدادي المصري (ت430هـ/ 1039م):
وقد كان ابن الهيثم كثير العناية (درسًا ونسخًا) بكتابين مهمَّين من كتب اليونان؛ هما: كتاب “المجسطي” لبطليموس، وكتاب “أصول الهندسة” لأوقليدس، وقد عمِل للأول “مختصرًا” و”شرحًا”، واستخرج منه كتابًا خاصًّا بالجزء العملي، وقدَّم حول كتاب أوقليدس عددًا من الدراسات المهمة.

ومن أهم كتب ابن الهيثم في الهندسة كتاب جمع فيه بين هندسة أوقليدس وأبولونيوس، وطبَّق عليه علم المنطق، وقال عنه: “جمعتُ فيه الأصول الهندسية والعددية من كتاب أوقليدوس وأبولونيوس، ونوعتُ فيه الأصول وقسمتُها، وبرهنتُ عليها ببراهين نظمتها من الأمور التعليمية والحسية والمنطقية؛ حتى انتظم ذلك، مع انتقاص توالي أوقليدس وأبولونيوس”[8].

وقد استخدم ابن الهيثم الهندسةَ بنوعَيْها المستوية والمجسمة في بحوث الضوء، وتعيين نقطة الانعكاس في أحوال المرايا الكرية، والأسطوانية، والمخروطية؛ المحدبة منها والمقعرة.

أما أبو الريحان البيروني؛ فقد ذكر في بعض مؤلَّفاته نظريات واجتهادات هندسية، مبينًا طرق البرهنة عليها، وهي طرق جديدة؛ فيها ابتكار وعمق.

وجدير بالذكر هنا؛ أنه إذا كان علماء اليونان قد عُنُوا بالهندسة العقلية أو النظرية عناية فائقة؛ فإن المسلمين قد أَوْلَوا الهندسة التطبيقية كل حفاوة واهتمام؛ من أجل استخدامها في مجال الصناعة والعمران والفنون، وقد وصلوا إلى هذا من نزعتهم العملية والتجريبية.

ج- الجبر:
يُعَدُّ علم الجبر علمًا إسلاميَّ النشأةِ، وإن تردَّد أن الأصول الأولى لهذا العلم قد عُرفت في الحضارات السابقة: المصرية القديمة، والبابلية، والهندية، واليونانية.

وهذه الحقيقة يُقِرُّ بها كثير من العلماء والباحثين، فيقول كاجوري في كتابه “تاريخ الرياضيات”: “والعرب هم أول مَن أطلق لفظ جبر على العلم المعروف الآن بهذا الاسم، وعنهم أخذ الإفرنج هذه اللفظة “Algebra”، وكذلك هم أول من ألف فيه بصورة علمية منظمة”.

ويقول دونالد هيل: “صنف محمد بن موسى الخوارزمي (أقدم مؤلَّف عربي في الجبر) بعنوان: “المختصر في حساب الجبر والمقابلة”.

وقد استطاع الخوارزمي في كتابه “الجبر والمقابلة” – بفضل عبقريته – أن يبتدع لنا علمًا متكاملًا ومستقلًّا عن العلوم الرياضية الأخرى.
وهذا الكتاب “أقدم كتاب في موضوعه”؛ كما يقول (M. M. Sharif).

ويقول العالم المشهور في تاريخ الرياضيات (سلمان قندز) في مقالة له بعنوان (مصدر جبر الخوازرمي): “إن كتاب الخوارزمي هو اللَّبِنة الأولى في العلوم الحديثة، ويستحق الخوارزمي أن يُسمَّى والد الجبر؛ حيث لم يكن عند العلماء الرياضيين الذين سبَقوه فكرةٌ واضحة عنه كعلم مستقلٍّ؛ بل كانوا يحاولون معرفة علم الأعداد”.

ومن الخطأ اعتقاد أن جبر الخوارزمي متأثِّر بالجبر الذي وضعه “ديوفانتوس” (مولده 250 بعد الميلاد تقريبًا)، وذلك لعدم وجود الدليل؛ إذ لم يذكر الخوارزمي في كتابه اسم ديوفانتوس، وكان من عادة العلماء العرب والمسلمين في هذه الفترة أن يذكروا بأمانةٍ ما أخذوه من العلوم الأجنبية، مع ذكر فضل العلماء الآخرين عليهم، كما أن المقارنة البسيطة بين طريقة الخوارزمي مع طريقة (ديوفانتوس) تُبيِّن بوضوح البعد الشاسع بينهما.

وإضافة إلى ما تقدم فإن كتاب ديوفانتوس في صناعة الجبر لم يكن مترجمًا إلى العربية في أيام الخوارزمي (المتوفى 236هـ/ 851م)، وإن أول ترجمة له تمت على يد “قسطا بن لوقا البعلبكي” سنة (300هـ/ 912م)!

ولأهميَّة كتاب الخوارزمي كان محلَّ اهتمام كثير من العلماء المسلمين، فكتبوا حوله عددًا من الشروح والدراسات، وبقي عدة قرون مصدرًا اعتمد عليه علماء المسلمين في مختلف الأقطار في بحوثهم الرياضية، كما أنه كان النبع الذي استقى منه فُحُول علماء أوروبا في القرون الأوروبية الوسطى[9].

وقد عرَف العربُ حلَّ المعادلات من الدرجة الثانية، وهي نفس الطريقة المستعمَلة الآن في كتب الجبر للمدارس الثانوية، ولم يجهلوا أن لهذه المعادلات جذرينِ، واستخرجوهما؛ إذا كانا موجبين، وهذا من أهم الأعمال التي توصل إليها العرب، وفاقوا بها غيرهم من الأمم التي سبقتهم، كما ابتكروا طرقًا هندسية لحل بعض هذه المعادلات، وفي باب المساحة – في كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي – عمليات هندسية حلها بطرق جبرية؛ مما يدل على أن العرب كذلك هم أول مَن استعان بالجبر في مسائل هندسية.

وليس الخوارزمي هو واضعَ علم الجبر فحسب؛ بل إن انتشار هذا العلم في الشرق والغرب يرجع الفضلُ فيه إلى الخوارزمي، الذي صار كتابُه المرجعَ الأوَّل للمؤلِّفين والمترجِمين من عرب وأعاجم؛ ولذلك يحق لنا القول: إن الخوارزمي هو واضع علم الجبر، ومعلِّمه للناس أجمعين[10].

د- علم حساب المثلثات:
علم حساب المثلثات: “هو ذلك العلم الذي ينظر في النسب القائمة بين أضلاع المثلث وزواياه”، وقد عُرف هذا العلم، في الحضارات القديمة المصرية واليونانية والهندية، بَيْدَ أن الفضل في إبرازه، وجعله علمًا مستقلًّا عن غيره؛ يرجع إلى علماء المسلمين، بعد أن كان مرتبطًا بعلم الفلك ارتباطًا وثيقًا.

وقد أطلق المسلمون على هذا العلم اسم “علم النسب”؛ نظرًا لأنه يبحث في النسب بين أضلاع المثلث.
وليس يخفَى ما لعلم حساب المثلثات من أثر طيب في الاختراع والاكتشاف، وفي تسهيل كثير من البحوث الطبيعية والهندسية والصناعية.
ومن العلماء المسلمين الذين بذلوا جهدهم لتنظيم هذا العلم، وإرساء قواعده:

• أبو عبدالله محمد بن جابر بن سنان البتاني (ت 317هـ/ 929م):
ومن جهوده في علم حساب المثلثات أنه اكتشف غالبية النِّسب المثلثية الأساسية على الصورة المستخدمة في الوقت الحاضر.
وهو أوَّل مَن استعمل المعادلات المثلثية.
وأول مَن أدخل مصطلح (الجيب)، واستعمله بدلًا من كلمة (الوتر) التي كانت مستعملة عند اليونانيين.
كما أنه ابتكر مفاهيم “جيب التمام”، و”الظل”، و”تمام الظل”.
وعمل الجداول الرياضية لِما يُسمَّى “نظر المماس” (شكل الظل).

وابتكر طريقة تنظيم جداول الجيوب والظلال إلى ثمانية منازل عشرية، حسبما جاء في مؤلفه (رسالة في تحقيق أقدار الاتصالات)، الذي ألَّفه للوزير أبي الحسن بن الفرات (ت 312هـ/ 924م).

وقد استخدم البتاني علمَ المثلَّثات استخدامًا واضحًا في جداوله الفلكية، التي وضعها على مستوى كبير من الإتقان.
ويبدو أنه أوَّل مَن سخَّر هذا العلم لخدمة الفلك، وسبق غيره في إعطاء “المثلثات الكروية” عناية تامَّة، وعمد إلى تطبيق القوانين، والعمليات الجبرية على المعادلات المثلثية[11].

• وهناك أيضًا أبو الوفا محمد بن محمد البوزجاني البغدادي (ت 388هـ/ 998م):
وقد قضى أبو الوفا البوزجاني جُلَّ وقتِه في دراسة مؤلَّفات أستاذه البتاني في علم حساب المثلثات، فعلَّق عليها، وفسَّر الغامض منها، وحذا حذوَه في العمل على فصل هذا العلم عن علم الفلك، واعترف له المحقِّقون في تاريخ العلوم ببراعته، وفضله على علم المثلَّثات؛ حتى اقترن اسمه عند علماء أوروبا بتقدُّم هذا العلم؛ فوصفه “كارل بوير” في كتابه (تاريخ الرياضيات)؛ بأنه “من المسؤولين الأوائل عن استقلال علم حساب المثلَّثات عن علم الفلك؛ حتى تمكَّن من إدخال علم الجبر عليه بالطريقة النظرية، وهذا واضح في متطابقاته المثلثية”[12].

________________________________________
[1] دونالد ر. هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ص (32).
[2] دونالد ر. هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ص (33).
[3] جلال مظهر: حضارة الإسلام، ص (354).
[4] جلال مظهر: حضارة الإسلام، ص (355، 356).
[5] د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (209).
[6] دونالد. ر.هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ص (46).
[7] د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (200).
[8] المرجع السابق، ص (201).
[9] د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (204).
[10] جلال مظهر: حضارة الإسلام، ص (356، 357).
[11] د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (207).
[12] المرجع السابق، ص (207، 208).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *