الرئيسية / تحقيقات / إستشارات حياتية / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فن المعاملات أو الإتيكيت

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فن المعاملات أو الإتيكيت

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
عرَّف كلمة “فن” معجميًّا هكذا[1]:
“الفنُّ: واحد الفنون، وهي الأنواع، والفن: الحال.
والفن: الضرب من الشيء، والجمع: أفنان وفنون، وهو الأُفنُون، يقال: رعينا فنون النبات، وأصبنا فنون الأموال؛ وأنشد:
قد لبِستُ الدهرَ من أفنانه  كلَّ فنٍّ ناعمٍ منه حَبِرْ

والرجل يفنِّن الكلام؛ أي: يشتق في فن بعد فن، والتفنُّنُ فعلُك.
ورجل مِفَنٌّ: يأتي بالعجائب، وامرأة مِفَنَّة”.
وعليه؛ فهو عجائب السلوك البشري.

أما المعاملات:
فإن أهل العِراق يقولون: فلان مُدَنِّق إذا كان يُداقُّ النظر في مُعامَلاته ونفقاته.
إذًا هو: فن التدقيق في السلوك البشري.

إذًا، فمحاور الموضوع هي:
1- مقدمة عن واقعنا الاجتماعي.
2- الفرق ما بين الإتيكيت، وفقه المعاملات.
3- خاتمة.
   

1- مقدمة عن واقعنا الاجتماعي:
ما زلنا نعاني من عدم تطابق السلوك مع النيات؛ وذلك لأنه عندما يتطابقان، لن نعانيَ الازدواجية السلوكية، ولن نعانيَ نتائجَها، وقد قالها فلاسفة اليونان: “إن الحاكم الذي يتمظهر بمظهر العادل، سوف يَكسِب محبَّةَ وتأييد الرَّعيَّة، والعكس صحيح”[2].

لكن في الوقت ذاته، لن يَكسِبَ احترامَهم في الحقيقة، إنما هو سلوكُ الظاهر، ورغم أن هذا ما نجده في واقعنا – حيث كان فلاسفة اليونان قمةً في العمق الفكري؛ حيث بقِيَتْ أفكارُهم صالحةً لأيامنا هذه كعناوينَ عريضة – نقول:
إن الرعية لن يغيبَ عن ذاكرتها أن وراءَ دماثَةِ الحاكم هناك نيات غير سليمة، من خلال نتائج ما يقومون به، وعليه فيبقى تصرُّفُ الرعية الحقيقي هو ما يحسِم القضية لأنهم محكومون، فإما أن يرضوا باستغفال الحاكم لهم، أو يقوِّموه، أو يتخذوا تدابيرَ أخرى يبتدعونها، هذا إن استطاعوا.

وقد كان العربُ المسلمون أولَ مَن حسم فقهَ المعاملات الاجتماعية التي نقصدها الآن، بحيث ضبط السلوكيَّات بوضوح: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾ [النور: 27].
﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

إلى آخره من أمثلة تبيِّن السلوكَ الأفضل للمسلم الحقيقي، حتى إن الحديثين:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعِظُه: ((اغتنمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتَك قبل سُقْمِك، وغِناءَك قبل فقرِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتَك قبل موتِك)).
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه؛ قال: سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها، أوِ امرأةٍ ينكِحُها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما[3].
يُعدَّان منهجَ حياة كاملة، وفيهما تكمُن الحقيقةُ الإنسانية الغائبة.
وما يُوثِّقه السلوك البشري ليبيِّن مدى فَهمنا للحديث، أو تغافلنا عنه، أن النِّيَّةَ تفرِض السلوك المناسب لها، وهذه قضية تربويَّة خالصة تقع على عاتق المُربِّين متابعتُها، هذا مُؤدَّى الشاهد هنا.
   

ما نعانيه حقيقة في واقعنا هو أمران:
1- إنسان دَمِث المعاملة، خبيثُ النيات والحقيقة الإنسانية.
2- إنسان همجيُّ الطبع، يُضمِر قلبًا كبيرًا وفكرًا أكبر.
وقلَّ اجتماعُ الخَصْلَتين: الدَّماثة والتهذيب، مع النية الحسنة والطبع الراقي في زمننا على الأقل، ونَعتبرُ أن هذا الأمر مُكتسَبٌ أكثرَ منه طبعًا حقيقيًّا مهما وُجد؛ لأنه يحتاج إلى قواعدَ وقوالبَ تُطابق القاعدة على الواقع.
في الواقع، ظهر في فرنسا هذا القالب المُهذَّب، وما يُدعى بمصطلح “الإتيكيت” يضبِط السلوك الشَّعبي بقدر الإمكان؛ لكن النيات أمرٌ آخرُ تمامًا، وكأنهما انفصَلا تمامًا.
   

2- الفرق ما بين الإتيكيت وفقه المعاملات:
يعرِّف مفتش الدولة السوري الراحل (محمد واصف الحكيم) الإتيكيت بأنه: فن الحياة السلوكي، وهو يشمل النشاطات الإنسانية وضوابطها.
بينما فقه المعاملات أوسعُ من هذا، ويشمل مخارجَ ومداخلَ تفاصيل الحياة وضوابطها؛ لذا فعلينا تخصيص هذا الفقه ما بين مالي واقتصادي… إلخ.
ولعل الفرق بينهما كالفرق ما بين مَن يبحث في البيع وحكمه، أركانه، أنواعه، وبيوع الأمانة، الشروط في البيع، الخيار في البيع، اختلاف المتبايعين، السَّلَم وأحكامه، البيوع المنهي عنها، العقود المشاكلة للبيع، الإجارة والكِراء، الجَعَالة وأحكامها، الشركة وأقسامها وأحكامها، القِراض أو المضاربة، المساقاة، المُزارعة، الصلح، وذلك حسب المذاهب الأربعة مثلًا أو على المذهب الواحد.

بينما الإتيكيت كمصطلح غربي ينحصر في السلوك الإنساني، والتصرُّف بحكمة في الحياة الاجتماعية؛ أي: فن التعامل مع الناس فقط.

يتصوَّر الكثيرون أن الإتيكيت هو الحركات الغربية المرسومة للتصرُّفات التي يحاول بها الشخص أن يبدوَ متحضِّرًا يشبه ويقلِّد الإنسان الغربي، وهذا بعيد عن المعنى الحقيقي للكلمة.

إن كلمة “إتيكيت” الفرنسية تعني: “السلوك بالغ التهذيب”، والإتيكيت هو فنُّ الخِصال الحميدة، وضوابط السلوك الاجتماعي المهذَّب، وبعد أن أصبح العالم مجرَّدَ قرية كونية صغيرة منفتِحًا بعضه على بعض، أصبح الإتيكيت ضرورةً اجتماعية، وبزيادة الاهتمام بالسلوك المتحضِّر من قِبَل الإنسان داخل المجتمعات المختلفة، أصبح للإتيكيت تاريخ ومؤتمرات وقرارات واتفاقيات منذ زمن قديم.

عرَّفت الموسوعة البريطانية فنَّ الإتيكيت بأنه:[4] هو السلوك الذي يساعد على التلاؤم والانسجام بين الناس بعضهم مع بعض من جهة، ومع البيئة التي يعيشون فيها من جهة أخرى.

وهو حُسن التصرف واللَّباقة، ومحاولة تحسين عَلاقة الفرد مع الآخرين؛ للوصول لاحترام الذات والآخرين.
إذًا هو سلوك بالدرجة الأولى.

لكن المرزوقي يقول: “لا يوجد تهذيبٌ سلوكي من غيرِ تغيير قناعات، بينما نجد في واقعنا انفصالًا واضحًا بينهما”.
ورغم هذا يجب ألَّا يغيب عن ذهننا أنه مِفتاح العلاقات الإيجابية الناجحة.

عرفتْ مصرُ فنَّ المراسيم – أي: البروتوكول والإتيكيت – منذ العصر الفرعوني، وبدراسة النقوش المرسومة على جدران المعابد وبعض المخطَّطات ومن كتاب “الموتى” – يتضح أن السلوكَ بالغَ التهذيب كان مُتَّبَعًا في زمن الفراعنة.

لقد احتوى كتاب الموتى هذا على تقاليدَ وسلوكياتٍ خاصة لا في حالة الوفاة فقط؛ بل في كلِّ شؤون الحياة أيضًا.

أما فيما بعد عصر الفراعنة، وفي العصر العباسي على الأخص، كتب الجاحظ كتابه “التاج في أخلاق الملوك”، ثم كتب المقريزي “اتعاظ الحنفاء”، ثم القلقشندي وكتاب “صبح الأعشى في صناعة الإنشاء”.

ولتوحيد اللغة الدولية الحديثة للإتيكيت والبروتوكول، توالت المؤتمرات فكان أول تدوين له عام 1815م ثم 1818م ثم 1961م ثم 1963م في فيينا بالنمسا، وأصبحت تلك القواعد هي الوسيلة المتَّفَق عليها؛ لتسهيل ممارسة العمل الدبلوماسي، وتأسيس العلاقات الناجحة واللازمة لاستقرار المجتمع الدولي[5].

ولكي نفهم تمامًا ما المقصود به، نقارنه بمصطلح “البروتوكول”:
الفرق بين الإتيكيت والبروتوكول يكمن في أنَّ الأول اختياري، وهو فنُّ الخصال الحميدة، والسلوك بالغ التهذيب، والصفات الحسنة بين الأفراد في المجتمعات.
أما الثاني، فهو نفس الفنِّ بين الدول وممثِّليها وسفرائها في العالم الدبلوماسي.
ويحكم الإتيكيت والبروتوكول حاليًّا المجتمعُ البريطاني، الذي يعقد ثلاثة اجتماعات سنوية؛ ليدرس استفسارات الأفراد والمؤسسات والدول، ويُصدِر توصياته بالسلوك الواجب اتباعه، ويمثِّل مِنطقةَ الشرق الأوسط خبيرُ إتيكيت وبروتوكول مصري.
أجمع الخبراء أنَّ الدِّين هو أول مظاهر الإتيكيت والبروتوكول؛ حيث وضعت الكتبُ السماوية للإنسان ضوابطَ واتجاهاتٍ وتوجيهات معينة تحدِّد سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان.

ولعل كتاب “فن التعامل” لديل كارنيجي يبين هذا الفرقَ بدقة، يقول:
الإتيكيت: هو عِلمُ آداب السلوك والمُعاشَرة، وهو فنُّ الحياة الراقية، مثله مثل باقي العلوم؛ له قواعده الخاصة به، وأصوله المنتشرة عالميًّا.

كل الحضارات قديمًا عرفت الإتيكيت، وتباينت أصولُ وقواعد هذا العلم بين الثقافات المختلفة، وفي العصر الحديث عُقدت العديدُ من المؤتمرات لتوحيد لغة عالمية للإتيكيت والبروتوكول منذ العام 1815 ثم في الأعوام 1818 و1961 و1963، ومن ثَمَّ أصبحت تلك القواعد هي الوسيلةَ المتَّبَعة في العمل الدبلوماسي؛ من أجل تسهيل التواصل، وتهذيب العلاقات بين ممثلي وسفراء الدول.

هنا يظهر الفرق بين الإتيكيت والبروتوكول وهو أن الإتيكيت هو فنُّ إظهار السلوك المهذَّب والصفات الحسنة بين الأفراد في المجتمع، وهو اختياري، أما البروتوكول فهو بنفس المعنى؛ ولكنه ملزم ومفروض في التعامل بين السفراء والممثلين للدول في العالم الدبلوماسي.

ولعل أصل لفظ “إتيكيت” جاء من الكلمة اليونانية القديمة “ستيكوس” التي تعني: نظام الطبقات أو الفئات الاجتماعية؛ ولكن بعض الباحثين رجع أصل الكلمة إلى التعبير الألماني Stechen)) الذي يعني: السِّمة البارزة، بينما رأى الباحثون الفَرنسيون أن أصل الكلمة يعود إلى المصطلح الفرنسي (Ticket) الذي يعني: بِطاقة الدخول إلى المجتمع الراقي.

في بريطانيا يتمُّ عقدُ ثلاثة اجتماعات سنويًّا؛ من أجل درس استفسارات الأفراد والمؤسسات والدول، وإصدار توصيات مناسبة لأنماط السلوكيات التي من الواجب اتباعُها داخل المجتمع[6].

ويقول كتاب: Hants of Etiquette:
الإتيكيت هو: سلوكٌ بالغ التهذيب، أو احترام الذَّات، واحترام الآخَرين، وحُسن التعامل معهم، أو آداب في الخصال الحميدة، أو السلوك المقبول اجتماعيًّا، الإتيكيت فنٌّ كبقيَّة الفنون.

إذًا فمفهوم الإتيكيت هو: احترام النفس، واحترام الآخرين، وحسن التعامل معهم.

إنه مفهومٌ راقٍ، ومحتوى إنساني حضاري؛ فالحضارة ليست قَصْرًا، ولا سيَّارة فارهة، ولا مجرَّدَ زينة في الوجه والملبس؛ ولكنها – بالدرجة الأولى – التعامل الإنساني الراقي فيما يعرف بـ(آداب اللِّياقة).

نعم، أصل كلمة إتيكيت كلمةٌ فرنسية لفظيًّا معناها: البطاقة (The Ticket).

ومفهوم الإتيكيت في الموسوعة البريطانية:
“السلوك الذي يساعد الناس على الانسجام والتلاؤم مع بعضهم البعض، ومع البيئة التي يعيشون فيها”.
ومفهوم الإتيكيت في الموسوعة الأمريكية:
“الإتيكيت كلمة تعني: التهذيب واللِّياقة، وتحمِلُ الفرد على تحسين علاقته بالآخرين”.

ولعل ما ورد في الكتاب يبيِّن تمامًا المقصودَ منه:
“من أهم قواعد الإتيكيت بشكل عامٍّ:
1- أن تكون وتيرةُ صوتِك لطيفةً، معتدلة، لا قسوة فيها ولا حِدَّة.
2- تنازلْ عن الكلام لمن هو أكبر منك سِنًّا.
3- لا تلجأ إلى الكلام المصطنع.
4- لا تقلْ لمن أخطأ: (أنت مخطئ)؛ بل قلْ: (قد تكون على صواب، أما أنا فأظن…).
5- لا تحاوِلِ التعرُّفَ على أسرار غيرك، وإذا استودعك أحدٌ سِرًّا، فكن كتومًا ولا تُفْشِه.
6ـ اتركْ جانبًا الحديثَ عن السياسة والمواضيع الخلافية؛ لتتجنَّبَ الاصطدام مع مَن تتحدث معهم.
7- تجنَّبِ الحديثَ عن نفسك، وعن مآثرك، وعن صحتك أو مرضك.
8-كنْ متواضعًا في حديثك، واستأذن لتأخذ زمام الكلام.
9- لا تهمِسْ بأُذُنِ أحدٍ وأنت في مجموعة.
10- لا تتبادل مع بعض الحاضرين نظراتٍ فيها غمزٌ بالآخرين.
11- لا تتحدث إلى صديقك بلُغةٍ أجنبية وأنتما بين أشخاص لا يعرفون هذه اللغة.
12- يجب أن تُوليَ محدِّثيك الانتباهَ التام، دَعْهم يتكلمون، وأَصْغِ إليهم بصمتٍ واهتمام، فكلما أصغينا إلى الآخرين نكون أقربَ إلى قلوبهم.
13- لا تهزأ بأحدٍ، وامتنع عن المزاح.
14- لا تكذب في حديثك ولا تحلِف.
15- لا تتملَّقْ ولا تغتبْ ولا تُشهِّر.
16- احذر أن تكون من المدَّاحين الكَذَبة؛ بل اصدُقِ القول، وقدِّم النُّصح بمحبَّة، وانتقد أصدقاءك بحرصٍ.
17- مارس الثَّناء والشكر بكثيرٍ من الأدب واللياقة.
18- إذا كان لا بد من المناقشة في حديثك، فناقش بهدوءٍ ووعي، واستند في مناقشتك إلى علمك وثقافتك وإلى المنطق السليم، وإياك والصياحَ والتجريح، ويمكننا القولُ بأن المحادثة هي فنٌّ في حدِّ ذاتها مهما اختلفت آراء المتحدثين، وهي مفيدة؛ لأنها تُنشِّط العقل الذي يضعُف بسبب الجلسات الطويلة أمام التلفاز؛ حيث إن عرض المواضيع الكاملةِ النُّضج يدفع إلى الخُمُود الكامل.
19- ليس من اللطف والذكاء تَكرارُ الاستغراب لأمور تبدو عاديَّةً ومألوفة لدى الآخرين.
20- عند الحديث، حاذِرْ طرحَ أسئلة ذات طابع شخصي.
21- ليس من المُستحبِّ التَّطوُّعُ بطرح رأي أو تقديم نُصْحٍ لم يُطلبْ منك تقديمُه.
22- لا تقاطع الآخرين.
23-لا تكنْ ثَرثارًا وتعتقد أن الآخرين يستمتعون بكلامك كما تستمتع به أنت.
24-لا تُغْرِقْ موضوعًا تافهًا بالتفاصيل والأحداث التي لا تهُمُّ الآخرين.
25- إذا كان النقاش يدور حول موضوع بعيد عن معارفك أو ثقافتك، فمن دواعي الأدب أن تُنصتَ، ومن الذكاء أن تحاولَ الاهتمام به وفَهمه.
26- لا تقل (هو) أو (هي) عن شخص ثالثٍ موجود بين المتحدثين؛ بل اذكر اسمه”.
   

لعل تأمُّلًا دقيقًا لما ورد يبين لنا أمرًا هامًّا جِدًّا، وهو تقاطعه – أي الإتيكيت – مع مبادئ البرمجة اللغوية العصبية سلوكيًّا، خاصة في البند الأول والرابع؛ لكن لو قرأناه عدة مرات ككل يتبين الفرقُ الجوهريُّ بينهما، وهو أن الإتيكيت يعني: الأناقة السلوكية حصرًا، والتي نجدها نادرةً في واقعنا الذي نعيش، ولعلها تبلغ 5% إن لم تكن أقل حقيقة، ولو بحثنا عن تطابقها مع النيات لانخفضت النسبة لـ1 بالألف إن لم يكن أقل.
لذا؛ فحتى لو شملت فن الهدايا – اختيارها ومناسباتها – وفن المحادثة من استماع، وعدم مقاطعة، ملائمة الحديث مع المخاطَب حسب مستواه الفكري، وحتى لو تقاطع هنا مع الذكاء العاطفي في حُسن التصرف مع الناس حواريًّا، إلى آخر ما هنالك من ابتسام ومصافحة …[7]، فإن هذا لا يجعلنا نغفُلُ عن حاجتنا لتطابق السلوك الظاهري مع السلوك المُضمَر والحقيقي.
   

لعلَّ هذا الفن أكثرُ ما يكون مختلفًا بين الشعوب، فما يكون هنا إيجابيًّا، يعتبر سلبيًّا هناك.
ولعل قراءتك لكتاب (أستطيع أن أقرأك مثل كتاب) لـ(جريجوري هارتلي) و(ماريان كارينش) تبين هذا الاختلاف جليًّا من خلال لغة الجسد التي قدَّمَا لها وحدَّدا قواعدها التحليلية، وبيَّنا في الكتاب – كمثال – أن معظم الشعوب لا تقف متقابلة إلا لو كان هناك مجابهة ومواجهة؛ بل تقف بميل وانزياح عن التواجه العمودي إلخ…. من سلوكيات تختلف دلالاتها من شعب لآخر، وله هنا صلة ما بفنِّ الإتيكيت الذي نُطبِّق عليه ثقافةَ الشعوب السلوكية.
   
3- خاتمة:
نخلُص خِتامًا إلى أن اللغة العربية أغنى اللغات على الإطلاق، وأقدرُها على تحقيق تلك الدَّماثة السلوكية اللفظية بمفرداتها ومعانيها المتنوعة التي تعبِّر بدقة عن السلوك الإنساني تطبيقًا وتنفيذًا[8].

من جهة أخرى، لعل الواضح اليوم أن ما يُقدَّم من قواعدَ سلوكية أو تقييمية تشمل معرفةَ ماذا يقول الجانب الآخر بحركات الجسد، وماذا تعني لديه، وكذا معرفة ذلك عن نفسك؛ إنما يقدم لتصبح الاختبارات الشخصيَّة أكثرَ واقعية ووضوحًا؛ ولكن أبدًا لا تكفي تلك الاختبارات لتقييمك وتهذيبك سلوكيًّا، فأين المنطق فيه؟

وما علاقة الإتيكيت بالحضارة؟
إن مقومات الحضارة: علم + طريقة تفكير + سلوك وأخلاق ومعاملات ميدانيَّة، وقد حققتْها الدولة الإسلامية في البدايات، أما حاليًّا فمن الصعب أن نجدها متكاملة في بلد ما.
قال المحامي ع خ عن أسباب تخلفنا: “أعتقد أن أهمَّها هو التخلُّف (والذي هو عكس العلم والدراسة والفَهم)، والذي هو أساسٌ لكل الأسباب الأخرى، ويُمهِّد الطريقَ لكل الأسباب الأخرى”.

لكن الأستاذة إ ف ردَّت قائلة:
التخلف هو أحد الأسباب الرئيسية، والعلم رأس الأمر، وفهم تطبيق هذا العلم هو الأمر كله وهو المُعوَّل عليه؛ فليس كلُّ متعلِّم خاليًا من التخلف، الأمر يحتاج إلى حكمة العلم، ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269] قال الله تعالى في سورة الجاثية:
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].
ولعل التربية الصحيحة هي الأساس لكل ما ذُكر، واتخاذ القدوة الحسنة في الأسرة أو في المحيط القريب التي يقبلها هذا الجيل المتفتِّح، وليس فقط ما ذُكر في تاريخنا من عظماء؛ فكأن هذا لم يعُدْ يكفي عندهم؛ وإنما يجب أن يشاهدوا قدوة محسوسة، وهذا قد نَدَرَ جِدًّا في أيامنا هذه.
فاللهمَّ يسِّرْ لجيلِنا صُحبةً صالحة تأخذ بأيديهم إلى طريق الحقِّ والصواب، واجعلنا خيرَ قدوة لهم يا رب العالمين.
   

وأقول:
لذا يهم الأعداءَ تحطيمُ القدوة، والسلوك، والعلم…. لذا فالعلم وحده لا يصنع حضارةً؛ هناك التفكير وهدفه القويم، هناك السلوك والمعاملة والأخلاق، وكلُّها نجدها في بدايات الدولة الإسلامية، وفي عهد الرسول خاصة، والخلفاء الراشدين بشكلٍ عامٍّ.
لذا كانت القدوة الحسنة، والتربية الصالحة المِفتاحُ الأول.

ويتساءل الأستاذ هـ ز:
“كم يصعُب تنفيذ هذا الكلام!
وكم يصعب تحمُّل رؤيةِ ما نرى!
فكيف ننتظر وصول الطفل لدرجة الوعي المطلوبة دون إجبار؟”
هذا هو السؤال الذي ننتظر الإجابة عليه من المُربِّين.
هل هي العادة أم السلوك العام الأسري؟ أم هل هو نمط مجتمعي عام أم إرشادي منزلي أم مؤسَّسي؟
ولكلٍّ دوره الهامُّ؛ لكنه مطلب حضاريٌّ مُلِحٍّ.

________________________________________
[1] لسان العرب.
[2] راجع جمهورية أفلاطون، محمد مظهر السعيد، ونظلة الحكيم.
[3] حديثان هامَّان هما منهج حياة د. ريمه الخاني.
[4] من كتاب “الإتيكيت العائلي” – محمد حسن المرزوقي.
[5] مفهوم الإتيكيت وأصوله، فيوليت فرج الله
[6] إتيكيت التعامل مع الآخرين، مدونة إتيكيت.
[7] الموسوعة الكاملة لفن الإتيكيت.
[8] انظر هذا الموضوع الهام: فن المجاملة وإتيكيت الحديث والإنصات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *