الرئيسية / دين ودنيا / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التواب جل جلاله

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التواب جل جلاله

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
قال الله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37].
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 104]، وقال تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 3].

معنى الاسم في حق الله:
التواب جل جلاله:
هو الذي يقبل التوبة عن عباده، فما من عبدٍ عصاه وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة – إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته ما لم يَنَم العبد على فراش الموت، أو تطلع الشمس من مغربها؛ فعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) [1].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر)) [2].

من الذي تاب إليه فما قبِله؟ من الذي دعاه فما لبَّاه؟ من الذي استغفره فما غفر له؟ من الذي وقف ببابه فطرده؟
فلو أن إنسانًا اتبع هواه أو استجاب لشيطانه، وتمادى في جُرمه وعصيانه، فقتل مائة نفس، وارتكب كل إثم، وأراد التوبة – تاب عليه وبدَّل له سيئاته حسنات؛ قال تعالى واصفًا عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 68 – 70].

وجاء أبو طويل – شطب الممدود – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أرأيت من عَمِل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجةً ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((فهل أسلمت؟))، قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: ((تفعل الخيرات وتترك السيئات، فيجعلهنَّ الله لك خيرات كُلَّهنَّ)).
قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: ((نعم))، فما زال الرجل يكبِّر حتى توارى [3].

التواب جل جلاله:
إذا أراد العبد أن يتوب وفَّقه للتوبة قبلَها، وقَبِلَها منه وأثابه عليها بعدها، فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من الله؛ قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا[4] حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118] [5].

فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولًا لها وعفوًا عن خطاياهم [6].

التواب جل جلاله:
هو الذي يتوب على عبده ويقبل توبته، وكلما تكرَّرت التوبة تكرر القبول [7].

التواب جل جلاله:
هو الذي يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، وقد صوَّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أحسن تصوير حين قال: ((للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه مِن أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) [8].

وسبب هذا الفرح الإلهي هو أن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه ويطيعوه، وهذا أحب الأشياء إلى الله، فإذا خرج العبد عن الطاعة، فقد خرج عن أحب الأشياء إلى الله، فإذا رجع العبد إلى الطاعة، فقد رجع إلى أحب الأشياء إلى الله، فتزداد إذًا محبة الله له وفرحه به.

وقد ذكر ابن القيم عليه رحمة الله حكاية مُعبِّرة عن هذا المعنى العظيم، فقال: “ذكر بعض العارفين أنه رأى في بعض السكك بابًا قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تَضربه وتطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرًا، فلم يجد له مأوى غيرَ البيت الذي أُخرِج منه، ولا من يؤويه غيرَ أُمه، فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مغلقًا، فوضع خده على عتبة الباب ونام، فخرَجت أمه فلما رأتْه في تلك الحال، لم تملِك إلا أن رمت نفسها عليه، والتزمتْه تُقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟ من يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبِلتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت.

فتأمل قول الأم: “لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة”، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((للهُ أرحمُ بعباده من الوالدة بولدها)) [9].

التواب جل جلاله:
هو الذي يحب أن يتوب عباده ويريد من عباده أن يتوبوا؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

فإذا أردت أن تعرف الفرق بين ما يريده الله منك، وبين ما تريده منك صحبة السوء والقنوات الفضائية الهدامة، والمقاطع الفاضحة والإعلام الماكر – فالجواب في هذه الآية.

التواب جل جلاله:
هو الذي يغفر ذنوب التائبين مهما عظُمت وكثُرت؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

التواب جل جلاله:
هو الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، ويقول: ((هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟ حتى يطلع الفجر)) [10].

التواب جل جلاله:
جاء بصيغة المبالغة هكذا (التواب)، وليس من أسماء الله (التائب)؛ لأن المعاصي تأتي من الخلق متكررَّة ومبالغًا فيها، فكان ذلك مناسبًا ليقابل الخطايا الكبيرة والذنوب العظيمة بالتوبة الواسعة.

اقتران اسم الله (التواب) باسمي (الرحيم) (الحكيم):
فأحيانًا يأتي اسم الله (التواب) مقترنًا باسم الله (الرحيم)؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 104].

وفي هذا إشارة إلى أن توبة الله على عباده رحمة منه بهم، وأن رحمته هذه تقتضي ألا يعاقبهم بعد التوبة، وأحيانًا يقترن اسم الله (التواب) باسم الله (الحكيم)؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 10].

قال البغوي في تفسير الآية: “جواب لولا محذوف، يعني: لعاجلكم بالعقوبة ولكنه ستر عليكم…” [11]، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى لا يعاجل أهل المعاصي بالعقوبة، بل يعطيهم الفرصة للتوبة والرجوع، وهذا من حكمته، وأنه تعالى لا يفضَحهم ابتداءً؛ ليكون ذلك عونًا لهم على توبتهم، وهذا كذلك من حكمته سبحانه.

حاجة الخلق إلى التوبة:
لأن التوبة ليست عبادةً يتعبد بها العبد يومًا أو شهرًا، ثم ينساها، بل التوبة موجودة لا تفارقه؛ لأن التوبة ليست خاصة بالعصاة والمذنبين، وإنما هي علامة على طريق الأنبياء والموحدين؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ [التوبة: 117].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)) [12].

فإذا كان المعصوم صلى الله عليه وسلم يتوب في اليوم مائة مرة، فكم نحتاج نحن إلى توبات وتوبات، ونحن أصحاب الغفلات والغدرات؟!
وقال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].

قال ابن القيم عليه رحمة الله: “هذه الآية مدنية خاطَب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه – أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم، ثم علَّق الفلاح بالتوبة، وأتى بكلمة “لعل” إيذانًا بأنكم إذا تبتُم كنتُم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون، جعلنا الله منهم..” [13].

المبادرة بالتوبة ضرورة مُلِحة:
لأن الموت يأتي بغتة، فهل الموت سيفجؤك وأنت تائب منيب؟! أو سيفجؤك وأنت ظالم مُريب؟!
لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون ﴾ [الحجرات: 11].

قال ابن القيم عليه رحمة الله: “المبادرة إلى التوبة من الذنب واجب على الفور، ولا يجوز تأخيرها؛ فمتى أخَّرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقِي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة، وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبقَ عليه شيءٌ آخر، وقد بقِي عليه التوبة من تأخير التوبة…” [14].

فأخطر شيءٍ يواجه العصاة أن يؤخروا التوبة، فيقول أحدهم: سوف أتوب، سوف أرجع، سوف أفعل، ويَفجَؤُه الموت كما فجَأَ الكثير، قبل أن يتوبَ ويرجع.

ولهذا قيل: “سوف” من جنود إبليس، وقيل: أكثر أهل النار المسوِّفون، فالمبادرة بالتوبة تُعين العبد على اقتلاع الذنب قبل أن يستفحل، ويرسخ في أرض القلب أصله، وتُنشر في الأعضاء فروعه، ويزداد كل يوم تشبثًا بالجذور، وتشعبًا في الفروع!

ومثل المسوِّف كمثل رجل أراد قلع شجرة، فرآها لا تُقلع إلا بمشقة، فقال: أُؤخِّرها سنةً – وهذا من حماقته – لأمرين:
الأول: أن الشجرة كلما بقِيت ازدادت رسوخًا.
الثاني: أنه كلما طال عمره ازداد ضَعفه.
يا نفسُ توبي فإن الموتَ قد حانا
واعصِ الهوى فالهوى ما زال فتَّانا
أما تَرين المنايا كيف تَلقُطنا
لقطًا وتُلحق أُخرانا بأولانا
في كل يومٍ لنا مَيْتٌ نُشيعه
نرى بمصرعه آثارَ موتانا
فما لنا نتعامى عن مصايرنا
ننسى بغَفلتنا مَن ليس يَنسانا[15]

باب التوبة مفتوح على مصراعيه:
فإن الله تعالى بكرمه الفيَّاض ورحمته الواسعة، فتح باب التوبة على مصراعيه للتائبين، ونادى بفضله وجوده على المذنبين؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا حتى ذكر بابًا من المغرب مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا؛ قال سفيان – أحد الرواة – قِبل الشام خلَقه الله تعالى يوم خلَق السماوات والأرض مفتوحًا للتوبة، لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه” [16].

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: “ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا، فإن أصبح ذهبًا اتَّبعناك، فدعا ربه فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: “إن ربك يُقرئك السلام ويقول لك: “إن شئتَ أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((بل باب التوبة والرحمة)) [17].

حقيقة التوبة وشروطها:
والتوبة حتى يَقبلها الله يجب أن تكون توبة صادقة نصوحًا، والرجوع حتى ينفع صاحبه يجب أن يكون رجوعًا صحيحًا، والإقبال حتى يُقبِل الله به عليك يجب أن يكون إقبالًا يليق به سبحانه.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8].

والتوبة النصوح كما قال الحسن البصري: إنها ندمٌ بالقلب واستغفار باللسان، وترك بالجوارح وإضمار ألا يعود [18].
فالتوبة هي: الرجوع عما يكرهه الله تعالى ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، وهي الينبوع الفيَّاض لكل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، هي أول طريق الفلاح، وهي شعور بالندم على ما وقع، وكفٌّ عن الذنب وتوجهٌ إلى الله تعالى.

شروط التوبة النصوح:
واعلم أن التوبة النصوح الصادقة لا بد لها من شروط:
(1) الإخلاص:
يكون الباعثُ على توبتك هو حبَّك لله تعالى وتعظيمك له، ورجاءَك في ثوابه وخوفَك من عقابه، لا تقربًا إلى مخلوق، ولا قصدًا في عرَضٍ من أعراض الدنيا.

(2) الإقلاع عن المعصية:
فلا تُتَصَوَّرُ صحة التوبة مع الإقامة على المعاصي، فما أكذب عبد يقول: يا رب تُب عليَّ وهو لا يزال يأكل الربا ويسمع الغناء، ويشرب الخمر، وما أقبحَ شابًّا يهتِف: يا رب غُفرانك، وهو لا يزال مقيمًا على علاقة محرمة مع فتاة، فلا يكون المرء تائبًا إلا بعد أن يتخلص من معصيته، ومِن كل ما يَمُتُّ إليها بصلة!
ومن الإقلاع عن المعصية: الإقلاع عن أماكن المعصية وأهل المعصية، وأسباب المعصية بشكل عام.

إن الذي يريد النجاة لا يسكن أرضًا مَوبوءَةً، فإن ميكروب المرض لا بد أن يصيبه، فكيف لتائب من الزنا أن تَحسُن توبته وهو لا يترك الذهاب إلى المراقص والمسارح؟! وكيف لتائب من مصافحة النساء وهو لا يترك أماكن الاختلاط؟! وكيف لتائب من التدخين وهو يجلس وسط المدخنين، فلا هو ينهاهم، ولا هو يفارق مجلسهم؟!

وهذا ما وصَّى به العالم الرباني الرجل التائب الذي قتل مائة نفس، فقال: هل لي من توبة؟ قال: نعم، ومَن يحول بينك وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بهم أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء…”[19].

فالصاحب ساحب، فاصحَبْ مَن يسحبك إلى الخير، تنلِ الخير وتَصِحَّ توبتك، واحذَر أخي من مقدمات الذنب، فكل ما أدى إلى حرام فهو حرام، ولو كان في الأصل حلالًا، فالسهر مثلًا حلال، لكن إذا أدى إلى ترك صلاة الفجر فهو حرام، فمن تمام الإقلاع عن المعصية الإقلاع عن مقدمات المعصية.

(3) الندم:
أي إنسان أحق بالندم ممن عصى الله جل جلاله؟ أفلا يندم العبد على تفريطه في حق ربه؟ أفلا يندم العبد على تضييعه لوقته ورأس ماله، لا في المباح، بل فيما يحرق شمعة حياته ويُعرضه لسوء الخاتمة؟
فلا تُتَصور توبة بغير ندم، فقم يا صاحبي واهتف في جوف الليل ونادِ بالأسحار وقل:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثُرتْ
ولا أُطيق لها حصرًا ولا عددَا
وليس لي بعذابِ النار مِن قِبَلٍ
ولا أُطيق لها صبرًا ولا جلدَا

(4) العزم:
اعزم ألا ترجع إلى الذنب ولا تعود إليه، وكن رجلًا، فإذا وعدت فأوفِ وإذا نويت فاصدق، وإذا عزمت فتوكَّل على الله.

وإذا عُدت إلى الذنب بعد التوبة، فسارع إلى توبة جديدة، حتى لو طال ذلك، ففي الحديث: ((ما من عبد إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه، حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خُلق مُفتَنًا توَّابًا نسِيًّا، إذا ذُكِّر ذَكَر)) [20].

(5) رد المظالم إلى أهلها:
إذا كانت المعصية تتعلق بحقوق الآدميين، وجب عليك أن ترد الحقوق إلى أهلها، ففي الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضٍ أو شيءٍ، فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه)) [21].

(6) أن تكون التوبة في زمن قبولها:
وهو ما قبل حضور الأجل وطلوع الشمس من مغربها، وذلك يدعونا إلى الاستعداد وأخذ الأُهبة، فالموت لا يستأذن على أحد، والآجال محدودة والأعمار معدودة والأيام دول.
فكل باك فسيُبكى، وكل ناعٍ فسيُنعى، وكل مخلوق سيَفنى، وكل مذكور سيُنسى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى.

قصة توبة:
عساها أن تكون ذكرى للمؤمنين وآية وعظة للعصاة والمذنبين، قصة مالك بن دينار، كان مالك بن دينار – كما يذكر أهل السير – يشرب الخمر، وكان صادًّا عن سبيل الله، نادًّا عن الله، شاء الله أن يتزوج بامرأة أحبها حبًّا عظيمًا، ورزقه الله منها بُنيةً جميلة، سكنت فؤاده وسيطرت على حياته، فإذا خرج أو دخل داعبها ومازَحها، وكانت إذا رأته يشرب الخمر، أتت إليه وكأنها تريد أن تعانقه، فأسقطت الخمر من يده، وكأنها تقول: يا أبتِ اتَّق الله!

وذات يوم رجع من عمله يسأل عن بُنَيَّته ليلعب معها، فإذا بها قد ماتت، تنغصَّت عليه حياته، وحزن حزنًا عظيمًا، وكعادته شرب الخمر طوال ليلته، ثم نام، قال: فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس قد خرجوا من قبورهم، فإذا بثعبان عظيم فاغر فاه، يَقصدني من بين هؤلاء الخلق جميعًا، ويأتي إليّ يريد أن يبتلعني، وأهرب منه ويُطاردني، وكاد قلبي أن ينخلع من بين أضلُعي، وإذا برجل حَسَنِ السمت وقور، فأسرعت نحوه، وقلت: بالله عليك أنقذني، فقال: لا أستطيع، اذهب إلى من ينقذك، فأقبل الثعبان يطاردني، وإذا بي على شفير جهنم، فبقي الثعبان من ورائي وجهنم من أمامي، فقلت: أرمي بنفسي في جهنم، فإذا بهاتف يهتف ويقول: ارجع فلست من أهلها، فرجعتُ لأدور في عرصات القيامة والثعبان من روائي يطاردني، فإذا بالشيخ الوقور، فقلت: بالله عليك أنقذني أو دُلني، فقال: أما إنقاذك فلا، ولكن أدلك على هذا القصر، فلك فيه وديعة، قال: انطلقت إلى القصر ولا يزال الثعبان يطاردني، وإذا بهذا القصر من زبرجد وياقوت، مكلل باللؤلؤ والجوهر، ففُتِح فإذا بأطفال مثل فلق الصبح، وإذا بابنتي ترمي نفسها بيني وبين الثعبان، وتنادي: أبتاه، ثم تصرف الثعبان بيُمناها، ثم تضرب على صدري وتقول: أبتاه: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16]، فقلت: بل آن، ثم قلت: ما هذا الثعبان؟ قالت: هذا عملك السيئ، قلت: وما هذا الشيخ الوقور؟ قالت: هذا عملك الصالح ضعَّفته حتى ما استطاع أن يقاوم عملك السيئ، قال: ثم ضربت على صدري ثانية وهي تقول: أبتاه: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16].

ففزِعت من نومي وأنا أقول: بل آن، بل آن، ثم توضأت وانطلقت إلى المسجد وإذا بالإمام يقرأ: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16].
فقلت: والله ما كأنه يعني إلا أنا [22]، فأصلحت علاقتي مع الله.
فالتوبة التوبةَ قبل أن تأتي من الله النوبة! الإنابةَ الإنابة قبل غلق باب الإجابة! الإفاقةَ الإفاقة قبل يوم الفاقة!

________________________________________
[1] رواه مسلم.
[2] رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني.
[3] رواه الطبراني في الكبير، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع.
[4] أي: تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
[5] مدارج السالكين.
[6] تفسير السعدي.
[7] شأن الدعاء؛ الخطابي.
[8] رواه مسلم.
[9] مدارج السالكين.
[10] رواه مسلم.
[11] معالم التنزيل؛ البغوي.
[12] رواه مسلم.
[13] مدارج السالكين.
[14] مدارج السالكين.
[15] جزء من أبيات منسوبة لسفيان الثوري.
[16] رواه الطبراني في الكبير والترمذي، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع.
[17] رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
[18] الآداب الشرعية لابن مفلح، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني.
[19] رواه الشيخان.
[20] رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني.
[21] رواه البخاري.
[22] وحي القلم؛ مصطفى صادق الرافعي مطولة، وصاغها قصيرة هكذا الشيخ على القرني في خطبة له مكتوبة بعنوان: “كلنا ذو خطأ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *