الرئيسية / مقالات / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العلاقة بين النفس والروح

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العلاقة بين النفس والروح

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
المدير التنفيذي لجامعة بيرشام الدولية بإسبانيا، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
مما لاشك فيه أن التغيير هو سنة من سنن الحياة التي أوجبها الله – سبحانه وتعالى – على كل شيء؛ لأن الشيء المتغيِّر إنما يتغيَّر لأنه يستمدُّ وقود حركتِه من متغيِّر، فلا يوجد شيء في الكون كله ثابتٌ إلا الله، فإنه الحقيقة الثابتة التي لا تتغير، وكل شيء يستمد منه، فهو ثابت أيضًا لا يتغير.

والإنسان هو إحدى بدائعِ خلق الله، وهو بطبعه متغيِّر، فإذا تكلَّمنا عن نفس الإنسان، فنحن نقول عن الإنسان حين تظهر عليه علاماتٌ غير التي كانتْ تظهر عليه في موقفٍ معيَّن؛ من حبٍّ، أو كرهٍ، أو خلافه – نقول: لقد تغيَّرت نفسه، والنفس هي الشيء الذي يتكوَّن نتيجةَ الْتقاء الروح بالجسد، فإذا انفصلت الروح عن الجسد، فلا توجد نفسٌ، وهي التي تقوم بتنفيذِ جميع العمليات التشغيلية التي يُملِيها عليها المدير الذي يخطِّط ويدبِّر لها، وهو ذلك المخلوق المُدهِش القابع في حصنٍ حصين، يسمَّى الجمجمة، البارز منه منظاران يتصلان مباشرة بمراكز التنفيذ، وهو “المخ البشري العظيم”.

والنفسُ كما أنها تَمتَلِك القوَّة التنفيذية، هي أيضًا تَمتَلِك إصدارَ القرارات العُلْيا، ووضعَ السياسات الرئيسية، والتي من ضمنِها توجيهُ عملِ المخ نفسه؛ فالمخُّ خاضعٌ للنفس في القرارات العليا والأهداف الرئيسية، والنفس تنفِّذ التفصيلات والخطوات، وتلتزم بالأهداف الجزئية التنسيقية التي يَضَعُها لها المخ للوصول إلى الهدف الرئيسي الذي وضعتْه النفس من قبل.

وتعالَ معي نَغُصْ في أعماق النفس الإنسانية، ونتعرَّض لبعض أحوالها؛ فالنفس ذُكرتْ في القرآنِ على معانٍ متعددة؛ ففي سورة يوسف قال – تعالى -: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ [يوسف: 53]، الآية تذكر أن النفس تأمُر صاحبَها بالسوء، فالآية تدل على أن النفس تُصدِرُ الأوامرَ، وليس مجرد طلب تطلبه أو أمنية تريد أن تحققها، ولكنه أمرٌ صريح واضح بالمعصية والسوء.

فالواضح من الآية أن النفسَ تمكَّنت وتعملقتداخل الإنسان، والذي يتَّضِح من الآية أن هذا الإنسان ضعيفٌ يَستَكِين لأوامرِ نفسِه، والملاحظ أيضًا أنها تأمر، والسؤال هو تأمر مَن؟ وتتمكَّن ممن؟ مَن هذا الذي يأتَمِر بأمرها؟ هل هو المخ، أم العقل، أم الضمير؟

والمعلوم أن العقلَ شيءٌ، والمخ شيء آخر، فالمخ هو مدير العمليات التنفيذية، والعقل هو ميزان هذه العمليات، فهو يَزِن العملية من حيث الصواب والخطأ، والعرف والقانون، ومدى ملاءَمتها للمجتمع من حولها.

أما الضمير، فهو ذلك المخلوق الجميل داخل النفس، الذي دائمًا يَنْهَاها عن فعلِ السوء، ويوقف هواها عند حدِّ الشرع، وفي ذلك يقول المولى – عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 40، 41]، انظر إلى وضوحِ الآية في تقرير أن الفائز هو الذي استطاع أن يَنْهَى نفسَه عن هواها، ولا ييئس عن لوم النفس عند فعل السوء؛ حتى تستطيع النفس – التي تتلون بجميع الألوان – أن تخدعه وتعطيه مخدِّرًا فينام أطول مدَّة ممكنة؛ حتى تستطيع أن تزاول مهمَّتها بدون معكِّرات أو منغِّصات.

وسوف نكتشف معًا أن العَلاقة بين المخ والعقل، والضمير والنفس، وأيضًا القلب – هي عَلاقة معقَّدة، وسنترك القلب والروح مؤقتًا؛ حتى نستخلص أنواع هذه العَلاقات.

ذكرنا أن النفسَ هي التي تُصدِر الأوامر العُلْيَا؛ ولذلك هي التي سوف تُحَاسَب في الآخرة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولكن هذا الكِيان الذي يَحمِل داخله كلَّ هذه المتناقضات كيف يُصبِح في حالةِ وِئام وسلامٍ مع بعضِه البعض؟ لا يُمكِن أن ينتشر السلام بين أعضاء هذا الكيان إلا من خلال مجموعة قيمٍ ومبادئَ وتشريعات خارجية، تأتي من جهةٍ أعلى، موجِّهة ومنسِّقة، ومرتِّبة لأحوال وأفعال هذه المجموعة المتناقضة داخل النفس، فإذا أخذتِ النفسُ هذه التوجيهات، وعمِلت بها، وأصلحت الخلل بين الأعضاء، حدث نوع من الطمأنينة؛ فإذا اطمأنت الأعضاء، انتشر السلام.

ولذلك ينادي الله – سبحانه وتعالى – على هذه النفس في سورة الفجر: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ [الفجر: 27]، وهذا هو النداء المحبَّب للملائكة أن تنادي به الأنفس.

ولما وصلتْ هذه النفس المطمئنة إلى هذه الدرجة لم تكن لتصلَ إليها أبدًا إلا بعد توبةٍ، وكأن السبب في هذه التوبة هو ذلك الضمير الذي ينغِّص عليها عيشتَها في كل وقتٍ وكل مناسبة.

فإذا مالتِ النفسُ العاصية إلى الضمير، أصبحتْ نفسًا أخرى تتبرأ من نفسِها؛ فقد أصبحت نفسًا لوَّامة تلومُ نفسَها على ما كان منها وتندم، فكلما كانتِ التوبة صادقةً كان اللومُ والإيلامُ من النفس اللوَّامة أشدَّ وأقصى، وفي هذا يقول المولى – عز وجل -: ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 2]، وفي هذه الحالة تبدأُ عَلامات الانسجام تَظهَرُ على جميعِ الأعضاء الخارجية، وتبدأُ عَلاقة القلبِ بالنفس تَظهَر في علامات الرِّضا على جميع الأعضاء بعدما كانتْ عَلاقة عدم رضا في حالة النفس العاصية؛ لأن القلب إنما هو عضوٌ من الأعضاء يأخُذ الأوامر التشغيلية من المخ، وما هذه الأوامر إلا تفصيلٌ للأوامر العليا التي أصدرتْها النفس للمخ من قبل.

وفي حالات انسجامِ النفس مع بعض الأعضاء ترى أن القلبَ ينشُر الطمأنينة في بقيةِ الأعضاء؛ بسبب اطمئنانه هو أولاً، وانظر إلى قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وانظر إلى المقابل عند عدم الاطمئنان، كيف ترتاب القلوب كما في قوله – تعالى -: ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45]، وانظر كيف تلومُ النفس قلبَها حتى يتقطع من اللوم؛ لتتبدلَ الخلايا لتصبح خلايا نظيفة يستقر بها الاطمئنان كما في قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ [التوبة: 110].

أما الروح، فهي ذلك المخلوق صاحب السرِّ العظيم الذي حَكَمَ اللهُ – سبحانه وتعالى – بأنه سيظل غيبًا إلى يوم القيامة، ومن عظمة الروح أنك لا تستطيع إنكارَها؛ فكلُّ مخلوقٍ – سواء كان مؤمنًا، أو كافرًا، أو غير ذلك – يُؤمِن بأن داخله روح لا يستطيع التحرك بدونها؛ بدليل الموت الذي نشهده جميعًا، فالميت لا يتحرك – وجميع أعضائه سليمة – بسبب أن الروح خرجت منه.

وهي السرُّ الأعظم لوجودِ كلِّ حيٍّ في ذلك الكون، وعَلاقة النفس بها أن النفسَ لا تستطيع القيام ولا الحركة بدون الروح، ولكن الروح لا تستطيع التأثير في سلوك النفس، ولا تستطيع التغيير فهي وقود حركة الجسد الذي يتحرك تبعًا لهوى النفس.

ومما تقدَّم نستخلص أن هذه المجموعة تقودُها النفس؛ فإذا صَلَحت النفس، صَلَح جميع الأعضاء، وأصبح الانسجام ظاهرًا في جميع العَلاقات والتعاملات بينهم جميعًا، وفي هذا يقول الرسول الكريم – صلوات الله وسلامه عليه -: ((ألا إن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحت صَلَح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدت فَسَد الجسد كله))، يقصد القلب، والمراد هو النفس؛ لأنها هي التي تصدر الأوامر العليا للمخ، والمخ يصدر الأوامر للقلب؛ ولذلك نجد أن النعيم في الآخرة للنفس، وأن العذاب أيضًا للنفس وليس للقلب، ولذلك بعد الحساب في الآخرة سيُنْشِئنا الله نشأةً أخرى، لا يعلم كنهَها إلا اللهُ، فانظر إلى قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ [طه: 74]، وقل لي – بالله عليك -: كيف يكون ذلك لا موتًا ولا حياة؟ ما هذا؟! هل تعلم ما هو الذي بين الموت والحياة؟! لا يعلم ذلك إلا اللهُ – سبحانه وتعالى.

قد كانتْ هذه محاولةً لفكِّ التشابك الذي يستعصي على كثيرٍ من الناس فهمُه، وما هي إلا خطوةٌ ضئيلة في فهم ذلك، نرجو من الله – سبحانه وتعالى – أن يمنَّ علينا بخطواتٍ قريبة تَفتَحُ لنا الآفاق في هذا الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *