الرئيسية / مقالات / رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اللغة العربية فى الميزان

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اللغة العربية فى الميزان

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
نائب رئيس جامعة بيرشام الدولية بإسبانيا ومديرها التنفيذي، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
مما لاشك فيه أن اللغةُ كائنٌ حيٌّ يُشبِه بقية الكائنات الأخرى التي تتأرجَّح بين البقاء والفناء، والقوة والضعف، والاستقرار والتهديد، تصارِعُ مِن أجل الحياة، وتدفع عن نفسها عواملَ الانقراض والانكماش، تتصارَعُ اللغات على مداخلِ الحضارات، ويتطوَّر الصراعُ فيما بينها بين مدٍّ وجزرٍ، وقد يصلُ إلى غالب ومغلوب ومنتصرٍ يكتَسِحُ الساحات، ويسيطرُ على العقول والأفئدة، والتاريخُ يُؤكِّد لنا هذا جيدًا؛ فالعديد مِن اللغات التي كانت يومًا ما سيدةَ الكونِ، زالَتْ وانقرضت، وحلَّت محلَّها لغاتٌ أخرى، هي اليوم ملء اللسان والعُيُون، وهناك لغاتٌ أخرى تزحزَحَت عن مكانتها، فبعد أن كانت سيدةَ قومِها وشعوبِها، هي الآن إما منقرضةٌ وإما في المراتب الثانوية تئنُّ تحت لغة الغالب المنتصر، ويذكرُ التاريخ أيضًا أن موتَ اللغات أو ضعفَها لا يرجِعُ إلى طبيعة بِنياتِها الصوتية والصرفية والتركيبية فقط، وإنما أمرُ ذلك مَرَدُّه إلى أهلها ومستعمليها، فإِنْ هم وهَنُوا وضعُفوا وهَنَتْ لُغَتهم وضعُفَت؛ فلُغَة القويِّ المنتصر تناوش وتصارع لغةَ الضعيف المنهزم وتمتدُّ في محيطه، وتنساب تدريجيُّا في اقتصاده وإدارته وتعليمه، وتوصل إليه المعرفة الجديدة، وفي الوقت نفسه يتقلَّص نفوذ لغة المنهزم وتتخلَّى عن وظائفها، وتتراجع إلى الوراء، وفي هذا ضعفٌ قد يُؤدِّي إلى الانقراض.

ومع بداية الألفية الثالثة، ونتيجة التطور التكنولوجي الهائل الذي أفرز وضعًا عالَميًّا لم يكن في الحسبان؛ حيث تقارَبَتِ الشعوبُ وغدا الاتصال بين سكان المعمورة يتمُّ في لمح البصر – فإن كل لغةٍ أصبحت تشعُرُ بالخطر القادم.

ومِن أجل المحافظة على اللغة الأمِ الحاملة للهُوِيَّة، شَرَعتِ العديدُ مِن الدول في تأسيسِ هيئاتٍ وهياكلَ مِن أجل إيجاد تدابيرَ لحمايةِ لُغاتِها من الانقراض والتلاشي.

وأصبحت إكولوجيا اللغات تتبوَّأ مشروعية ضمن الإكولوجيا العامة للكائنات الحيوانية والنباتية على الخصوص.

إن حال اللغة الصحيَّ مرتبطٌ بالبيئة التي تعيشُ فيها، فإن كانت هذه البيئةُ تعرِفُ ثنائياتٍ وازدواجيَّاتٍ لُغَوية، فإن وضع اللغةِ الأمِّ يكون حينئذٍ مُقلِقًا غيرَ مُريحٍ، وهنا ينبغي التدخُّل بُغْيَة انتهاجِ سياسة لُغَوية تجعَلُ مِن هذه الثنائية والازدواجية بَرْدًا وسلامًا على اللغة الأم.

2- ماذا عن اللغة العربية الفصيحة:
إن وضع اللغة العربية وضعٌ خاصٌّ وفريدٌ مِن نوعه، إذا ما قُورِنَت باللغات العالَميَّة الأخرى، فقد ارتَقَتْ مِن وضعها كلهجةٍ في بلاد نجد وقريش، وغَدَتْ توافقًا بين عددٍ مِن السمات اللَّهْجِيَّة المحليَّة، ثم نزل بها القرآن الكريم فحفِظَها من التقلبات، وصانها من الاندثار، وطوَّرها في الاستعمال، فاجتازَتِ المِحَن، وتجاوزت الأزمات.

لقد كان القرآنُ الكريم المدوَّنةَ التي حفِظَتِ اللغةَ العربية، وعلى القرآن الكريم اعتمد اللُّغويون في استنباط القواعد التي صانَتِ اللغةَ مِن التحريف، وبامتداد الإسلام إلى الشعوب العالَميَّة حمل معه روائعَ اللغة العربية، فأصبح لهذه اللغةِ قداسةٌ ومكانة خاصة، ومِن ثَمة صار المسلمون أشدَّ شعوب الأرض إحساسًا بلغتهم، “التي سبكت عقولهم في قالب واحد، وركَّزت طبائعهم وجعلت منهم أمة واحدة”[1].

إنها ترتبط بالملايين مِن البشر في رقعةٍ جغرافية واسعة تمتدُّ من المحيط إلى الخليج، وهي “اللغةُ الوحيدة التي ظلَّت في كلماتها ونَحْوِها وتراكيبها منذ أربعةَ عشرَ قرنًا على الأقل”[2]، ولم يدخُلْ عليها أيُّ تعديلٍ مهمٍّ رغمَ الاجتهادات التي تناولت معجمَها ونَحْوَها، وقد قال أرنست رينان[3]: “ليس للعربيةِ طفولةٌ ولا شيخوخة، بل ظهرَتْ لأول أمرِها تامَّة مُحكَمة، ولم يمضِ على فتح الأندلس أكثرُ مِن خمسين سنةً حتى اضطُرَّ رجالُ الكنيسة أن يُترجِموا صلواتِهم بالعربية ليفهمَها النصارى، ومِن أغرب المُدهِشات أن نبتَتْ تلك اللغة القومية ووصلت إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرُّحَّل”[4].

ولم تظفَرْ لغةٌ على هذه الأرض بعنايةٍ في روايتها قدرَ ما ظفِرَتْ به اللغة العربية؛ فقد عكف العلماءُ والرُّواة على جَمْعِها مِن حصيلة النصوص الموثَّقة شعرًا ونثرًا، ومِن أفواهِ العرب الفصحاء، حتى إنهم “أخذوا عن الصبيان والمجانين، قال الأصمعي (ت 216 هـ): (سمِعتُ صِبْيةً بحمى ضرية يتزاجَرُون، فوقفت وصدُّوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع؛ إذ أقبل شيخ، فقال: أتكتب كلام هؤلاء الأقزام الأدناع!”[5].

3- مستقبل مُقلِق للغة العربية:
تسعى اللُّغات الحيَّةُ في تطوُّرها التاريخيِّ دائمًا للانتقال مِن مرحلة استعمالٍ لُغَوي إلى مرحلة أكثرَ دقَّة وحدة تقبَلُ التجدُّد، وتتفاعل مع المحيط الجديد الذي تفرضه سُنَن التغيُّر والتطوُّر، وتجري في سهولة وتلقائية على ألسنةِ الناطقين بها في حياتهم اليومية، مُعبِّرة عما يُفكِّرون ويَشعُرون به.

وقد تبقى عرضةً للشيخوخة والذبُول إِنْ هي عجَزتُ عن التجاوب مع تطور وفكر الناطقين بها، أو إنها أدَّت إلى تعليب هذا الفكرِ في قوالبَ جامدةٍ، أو عجَزت عن الصمود أمام تحوُّلات وتغيرات الواقع، وفشِلَت في أن تبقى مفرداتُها وقواعدُها على ألسنة أصحابِها أينما كانت مواقعُهم الاجتماعية.

يعتنق الكثيرُ مِن الدارسين العرب مقولةَ: “إن اللغة العربية محفوظةٌ بحفظ القرآن الكريم”، عندها يركَنُ الجميعُ إلى الاطمئنان على مستقبل اللغة العربية، وتتنصَّل الأمة من مسؤوليتها في الحفاظ على اللغة وتطويرها وإلحاقها برَكْب التقدُّم، وبذلك غَدَتِ العربية لغةَ العبادة والخُطَب والعواطف، وابتعَدَتْ عن العلوم وتكنولوجيات العصر، وحتى الفئات التي تشعُرُ بالخطر، فإنها أصبحَتْ تخافُ ردَّ الفعل مِن الخوضِ في هذه المقولة والتطرُّق إلى تراث اللغة بالنقد لتصحيح المسار، حتى يتماشى مع ما هو حداثيٌّ وعصريٌّ.

ينبغي أن نتعلَّم أن اللغة مُتغيِّرٌ، وأن الدين مطلقٌ ثابت، لذلك تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم ضمن قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، ولم تنصَّ الآيةُ على الحفاظ على اللغة، ثم هناك العديدُ مِن الشعوب تَدِينُ بالإسلام وتُقدِّس القرآن الكريم، لكنها تعتزُّ بلغاتها القومية، وتستعملها في حياتها اليومية ولا تستعمل العربية!

إننا نتَّفِقُ كلَّ الاتفاق مع القانونِ اللُّغوي الذي سنَّه ابنُ خلدون، وفحواه: “أَنَّ غلبةَ اللغة بغَلَبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات صورةٌ لمنزلة دولتها بين الأمم”[6]، فاللغة ليسَتْ مُعطًى جامدًا وثابتًا نتعامل معه عبر الأجيال، نُنمِّقُها بالتراث، ونُزيِّنُها كيفما نشاء، بل هي كائنٌ حيٌّ تتفاعل مع الأحداث، وتنفعل بحال الناطقين بها، وتخضع لمؤثِّرات التاريخ وتفاعلات المجتمع، وعليه فكما يُمكِنُها أن تنموَ وتتطوَّرَ يمكن أن تضعُفَ وتندثر، وتاريخ اللغات حافلٌ بهذه المحطات.

إن ما نخشاه أن يكونَ مصيرُ اللغة العربية الفصحى كمصيرِ اللغة اللاتينية، إن لم يتفطَّنِ العربُ حقيقةً إلى الواقع الذي تعيشُه العربية بين ظهرانَي مستعمِليها، ومع الإصرارِ على تجاهلِ الأخطاء والعيوب التي نقع فيها يوميًّا في مختلف ميادين الحياة، خصوصًا في مجال تعليمِ العلوم بها، واستعمالها في الهيئات الإدارية وإلقاء اللوم على المتآمِرين عليها.

إن مصيرَ اللغةِ العربية تربِطُه جملةٌ مِن العوامل لا بد أن يتفطَّن إليها الجميع؛ منها:
أ‌- ترويجُ مقولةِ: إن اللغة العربية محفوظةٌ بحفظ القرآن الكريم، مما جعلنا نركَنُ إلى الجمودِ وعدم الأخذِ بأسباب تطوير الفصحى وتعميمها، والاستهانة بكل محاولات النقد لمخزونِها الثقافي.

إن اللغة متغيِّرٌ، تتأثر بأحوال الناس وعَلاقاتِهم مع المحيط المحلي والعالَمي، بينما الدين ثابتٌ، وإن هذا الانغلاقَ هو الذي أدَّى الى عزوف شعوب أوروبا عن اللاتينية لَمَّا أقفل قساوسةُ الإنجيل على اللاتينية، فأحاطوها بالقداسة وتصدَّوا لدعوات التجديد والتغيير.

ب‌- صار لدينا نوعٌ مِن الوَسْوَاس بشأنِ تعامل الفصحى مع العامية واللغات الأجنبية، في الوقت الذي أخذَتِ الأممُ هذه القضايا بنوعٍ مِن الجدِّيَّة والاهتمام، وعالجَتْها بتفكيرٍ علميٍّ وبمناهجَ صائبةٍ، فحقَّقت البقاء للُغاتِها، ورفعت من شأن لهجاتِها، بينما تعامَلْنا نحن بنُكرانِ عَلاقة العاميَّة بالفصحى، وهو أمر واقع في حياتنا اليومية.

إن العامية يمكنُ أن تتحوَّر وتُهذَّب، ويدلُّك ما فيها مِن الخشن فترقى إلى مصافِّ الفصحى؛ لأن سُنَّة الحياة تقتضي البقاء للأنسب، وإن المحافظةَ على صفاء لُغتنا اليوميَّة صفاءِ لغةِ القرآن الكريم، لم يَعُدْ في الإمكان؛ نظرًا لعواملَ شتى، وإنما الأمر يتطلَّب أن نسلُكَ سياسةً لُغَويَّة هادئة تقضي أولًا المحافظة على الفصحى في المؤسَّسات التعليمية وتعليم الناشئة لها، وترقية استعمالِها في المؤسسات، وفتح باب الاجتهاد مِن أجل التعامل مع المازيغيات الوطنية والعاميَّة الجزائرية، واللغات الأجنبية، بهدف إحداث نهضة لُغَوية تؤدي حتمًا إلى نهضة فكرية وعقلية.

ج- التعامل اليَقِظ مع محاولات تجديد النحو العربي وتيسيره؛ لأن النحوَ هو عمودُ اللغة، به يصلح الاعوجاج، وبه يُرَدُّ الانحراف ويصلح الفساد، وإنما الأمر يفرض الاجتهاد من أجل تحديث النحو العربي وتسهيل تعليمه حتى يواكب لغة المحدِّثين، ويحافظ على الطابعِ السليم للغة العربية التي تُشكِّل الرافد الأساس للهُوِيَّة والحضارة.

ولا جناح أن تتفتَّح العربية على المصطلحات والألفاظ والتعابير الأجنبية، كما تفعل بقيَّة الأمم وكما فعل أجدادُنا زمنَ الحضارة العربية الإسلامية.

لقد استقبلَتِ العربيةُ ألفاظًا فارسيَّة وحَبَشية ويونانية وهندية وصينية، وصارت من العربية ولم تَضِقْ بها اللغة العربية، ولم تَنْفِرْ منها، ولم تَنَلْ منها في شيء، فقد قالوا: الطست – الياقوت – البَلُّور- الإبريق – الفُسطاس – القِنطار – القنطرة – الشلي.

د – إن عقدةَ الاستعمار ولَّدت في الأمة موقفًا متعصبًا ضد اللغات الأجنبية التي تنتجُ العلمَ المعاصر؛ لذلك يتخوَّف الكثيرُ مِن الانفتاح على اللغات الأجنبية، بدعوى أن ذلك يُسهِم في القضاء على اللغة العربية وطَمْس الهُوِيَّة الوطنية، ومع غيابِ سياسةٍ لُغَوية واضحةٍ تُرتِّب التعامل مع اللغات الأجنبية وكيفيات استغلالِها لنقل العلوم والتكنولوجيا؛ فإن تعليم اللغات الأجنبية يتمُّ دون تخطيط يرسُمُ الأهداف المتوخَّاة منها، ويُحدِّد كيفيَّات وطرائق التعليم، الأمر الذي أسهم في تدنِّي مستوى الاكتسابِ والتحكُّم، وحتى الفَرَنسية التي كان الجزائريُّون يتحكَّمون فيها واعتبروها في وقتٍ ما غنيمةَ حربٍ، فقد ضاعَتْ مِن يد الجيل الجديد!

4- اللغة العربية والعَوْلَمة:
من المفاهيم التي تُطرَح منذ نهايةِ العقد الأخير من القرن الماضي، مفهومُ العَوْلَمة الذي اقترن ظهورُه بانتهاء الحرب الباردة، لقد خالط مفهومَ العَوْلَمة الكثيرُ مِن الأوهام، حتى صار مثارَ جدلٍ واسع، فارتبَطَ في الأذهان بالسياسة التسلُّطيَّة التي تُمارِسها الدولة المنفردةُ بزعامةِ العالَم في هذه المرحلة، بعد أن خلا لها المجال نتيجةَ انهيارِ القطب الموازي لها.

ومهما تعدَّدت السياقات التي يَرِدُ فيها مصطلح العَوْلَمة، فإن المفهومَ الذي صار يُعبِّر عنه في جميع اللغات هو الاتجاه نحو السيطرةِ على العالم، وجعله يسير في اتجاهٍ واحد، ومِن هنا جاء قرارُ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازةِ استعمال كلمة عَوْلَمة بمعنى جعل الشيء عالَميًّا[7].

أ‌- العَوْلَمة في الخطاب الغربي:
يرى الغربيُّون – وهم صُنَّاع العَوْلَمة – أن العَوْلَمة تهدفُ إلى جعل العالَم عالَمًا واحدًا مُوجَّهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارةٍ واحدة، وقد أضاف البعض الكونية أو الكوكبية، فقد عرَّفها “رونالد روبارتسون” بأنها (اتجاهٌ تاريخيٌّ يتَّجِهُ نحو انكماش العالَم وزيادة وَعْي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش)[8].

فما يُفهَم من مصطلح الانكماش هو تقارُبُ المسافات والثقافات واختزالُ السياسات، ويعدُّها “أنتوني جيدنز” A.Gednez بأنها مرحلةٌ جديدة من مراحل “بروز” وتطور الحداثة، تُكشَفُ فيها العَلائق الاجتماعية على الصَّعيد العالَمي؛ حيث يحدُثُ التلاحم غيرُ القابل للفصل بين الداخل والخارج، يتم فيها ربط المحلي والعالَمي بروابطَ اقتصاديةٍ وثقافية وسياسية وإنسانية[9].

ب‌- العَوْلَمة في الخطاب العربي:
وَرَدَ في الثقافة العربية مصطلحُ العالَميَّة، وهو يعني أن أبناءَ هذا العالم بمختلف شُعُوبه وقبائله ولُغاته ودياناته يعيشون على هذه الأرض، ولا بدَّ لهم أن يتفاهَموا وأن يتعاوَنوا لِما فيه خيرُ الجميع، ولا مانعَ بأن يُؤثِّر بعضُهم في بعضٍ، ولا يحقُّ أن يُلغِيَ أحدُهم الآخرَ، أو أن يستغلَّه ويستعمرَه ويُدمِّرَه، فالاختلافُ طبيعيٌّ، والتعاون ضروريٌّ، وقد كانتِ العقولُ العربية تتنكَّر المظالم والحروب والإكراه والعنف، وتُشجِّع على القِيَم الفاضلة، ولقد دعا الإسلامُ الذي اعتنقَه العربُ إلى هذه القيم، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].

وأما مصطلح العَوْلَمة، فقد تناولَتْه الأقلامُ العربيةُ بالشرح والنقد، في ذلك قال حسن حنفي: “العَوْلَمة لصالحِ الآخر على حساب الأنا (أي الذات)، وقوة الآخر في مقابل ضعف الأنا، وتوحيد الآخر في مقابل تفتيت الأنا”[10].

وقال في مقامٍ آخرَ: “هي حضارةُ المركز؛ أي حضارة الدول الغربية التي بقوَّتِها تقع في مركز العالم، وبقية الدول هوامشُ تابعةٌ”[11].

وأما مصطفى محمد، فإنه يقول: “العَوْلَمة مصطلحٌ بدأ لينتهيَ بتفريغ المُواطِن مِن وطنيَّته وقوميَّته، وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي؛ بحيث لا يبقى منه إلا خادمٌ للقوى الكبرى”[12].

ويرى محمد عابد الجابري أن “العَوْلَمة تستهدفُ ثلاثةَ كِياناتٍ: الدولة، والأمة، والوطن، ويُسمِّيها أيضًا بثقافة الاختراقِ اختراقِ مُقدَّسات الأمم والشعوب في لغاتها ودولها وأوطانها وأديانها”[13].

ج – ماذا عن عَوْلَمة اللغة:
اللغة وِعاءُ الثقافة، والثقافةُ أساسُ الحضارة، والحضارةُ ترجمةٌ للهُوِيَّة، ومِن هنا كانتِ اللغةُ مِن أهم الأركان التي تعتمدُ عليها الحضارات، ومن أهم العوامل التي تُساهِم في تشكيل هُوِيَّة الأمة.

إن الاعتزازَ باللغة ليس وليدًا للاعتزاز بذات اللغة، بقدر ما هو اعتزازٌ بالثقافة التي تُمثِّلُها هذه اللغة، ونحن نقرَأُ في العصر الحديث أن مِن أكبر العوائق التي وقَفَتْ في وجهِ اتفاقيات السلام في مقدونيا الاعترافُ باللغة الألبانية لغةً ثانية في البلاد[14]، وبقدر ما تكون اللغةُ متطورةً ومُوحَّدة بقدر ما تكون الأمةُ موحدةً ومُتَّحدة، وكلما غابتِ اللغةُ وتفكَّكت وتعدَّدت، فذاك مَدْعاةٌ إلى الضعفِ والاختلاف.

وقد أكَّدتِ الأحداثُ أن الدولَ التي يتحدَّثُ أهلُها لغةً واحدة تكون أكثرَ تماسكًا وانسجامًا من الدول التي تتحدَّثُ بعدَّة لغاتٍ، بل إن وحدةَ اللغة مِن أهم عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهذا واضحٌ في الدول الإفريقية إذا ما قُورِنَت بالدولِ الأوروبية، ومِن أجل هذا فليس مِن المُستغرَب أن يُؤكِّد بعضُ الباحثين أن البلادَ المُجزَّأة لُغَويًّا بشكلٍ كبير بلادٌ فقيرةٌ دائمًا[15].

وتأسيسًا على ما سبق نُدرِك خطورةَ دخول لغةٍ أجنبية على شعب ما، خصوصًا إن كانت لغةَ الغالب أو اللغةَ التي تمنحُ مُتحدِّثيها مِيزاتٍ اجتماعيةً واقتصادية.

نصلُ بعد كلِّ هذا إلى الحديث عن المقصود بالعَوْلَمة اللُّغوية، إنه مدلولٌ يعني جَعْلَ ما هو مَحليٌّ عالَميًّا، أو الانتقالَ مِن المحلية إلى العالَميَّة، فهل هناك لغةٌ انتقلَت من المحليَّة إلى العالَميَّة، فتجاوزت نطاقَها الجغرافي إلى العالمي؟

إن الأمر يتعلَّق بكل بساطةٍ باللغة الإنجليزية التي تمكَّنَت مِن الانتشار عالَميًّا، وتضاعَفَ استعمالُها تماشيًا مع الهَيْمَنة الإعلامية والاقتصادية الأمريكيَّة على العالم، وزاد استعمالَها الشابكُ الذي اتَّسع نطاقُ استخدامه في جميع مناحي الحياة، وبذلك غزَتِ الكلماتُ والمصطلحات الإنجليزيةُ العالَم، ولم تسلَمْ حتى لغات الأمم التي تعتبر نفسَها عريقةً وقوية؛ مثل الصين والألمان والروس والفَرَنسيين.

ويُجمِعُ الدارسون أن اللغةَ الإنجليزية هي اللغةُ العالَميَّة الأولى، بصرفِ النظر عن عدد المُتحدِّثين بها وتوزيعهم الجغرافي، حتى إن كثيرًا مِن الآراء نظرَتْ إلى اللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة المعياريَّة العالَميَّة[16].

ومِن الشواهد التي تؤكد انتشار الإنجليزية نذكر:
1- شعور العديد مِن الأمم بخطرِ تغَلْغُل الإنجليزية في كِياناتِها؛ ففَرَنسا دَعَت – على لسان رئيسِها الأسبق جاك شيراك – لإقامةِ تحالفٍ بين الدول التي تعتمد اللغات ذات الأصل اللاتيني، مِن أجل التصدِّي للهَيْمنة الإنجليزيَّة.

2- إن الإنجليزية أصبحَتْ لغةَ الشابك (الإنترنت) بلا منازع، فقد بلغت نسبتها 77 % على صفحاته، والنسبة الباقية تتنازعها اللغات العالَميَّة الأخرى.

3- صارَتِ الإنجليزيةُ اللغةَ الثانية في كل دولةٍ مِن دول العالم بعد اللغة الأم لهذا البلد، لا سيما في البلدان العربية والإسلامية.

د – هل العربية قادرةٌ على المواجهة:
نصلُ بعد هذا العرضِ إلى طرح السؤال:
هل العربية قادرةٌ على المجابهةِ والمحافظة على حاضرها وصناعة مستقبلها؟
مما لا شكَّ فيه أن الإجابةَ عن هذا السؤال تجرُّنا إلى الحديث عن مُقوِّمات اللغة العربية التي تسمَحُ لها بالبقاء وتُؤهِّلها للمقاومة، وتُكسِبها القدرةَ بأن تقول كلمتَها في الزمن المعلوم لُغويًّا.

جرَتِ العادةُ أن نستعرضَ في مثل هذه المواضيع أمجادَ اللغة العربية وتاريخَها العريق ودورَها الحضاري، وارتباطَها بالسماء المُقدَّسة، وإن في ذلك كلِّه هيبةَ اللغة ووقارَها وعزَّةً لثقافتها ولأهلها، لكنه لا يَفِي بالغرض الذي نحن بصدد الحديث فيه؛ “ذلك أن تخطيط المستقبل قياسًا على الماضي لا يجوزُ إلا في حالات الثبات والاطراد، أما في حالات التحوُّل، فبحكم الغرض نفسه – والغرض هنا أن تحول – فمحالٌ لغدِنا أن يحاكي أمسنا”[17].

لا بد أن نفهَمَ بأننا نتحوَّل، وكل أحوالنا في تغيُّر، والصوابُ أن ننظر إلى حالة التحوُّل من الداخل، وهذا ما سلكه أجدادُنا في الزمن الأوَّل، عندما تعاطوا مع اللغة مِن الداخل فاستجابَتِ اللغةُ لِما يُرَاد منها، واستوعَبَتِ الثقافاتِ والعلومَ، وتجاوب أبناؤها مع معطيات الزمن ومتطلباته ومتغيراته، ثم جاء على أمَّتِنا زمنٌ تراجَعَ فيه صوتها، وتدنَّى مستوى ثقافتها ومخزونها المعرفي، فتوقَّفت لغتها عن النمو والتطور وغزَتْها اللغات الأجنبية.

إن اللغة العربية تستطيعُ الصمود وتقدِرُ على المجابَهةِ؛ نظرًا لمُكوِّناتِها الداخلية، فقد عُرِفَت بسَعَتِها وثرائها وطواعيتها، وما تملك من وسائل النمو والتطور بالاشتقاق والمجاز والقياس والنحت والتعريب وأشباهها.

إن اللغة العربية بريئةٌ مِن تهمة العجز، فإن فيها مِن خصائص اللغة العلمية ومُقوِّماتِها ما يكفي، والذين يتَّهِمونَها بالعجز عن مجاراةِ التطورات الحضارية العلمية، إنما يعترفون بعجزهم نتيجةً لبيئات الجهل والتجهيل والكسل العقلي والانهزامية التي نشأنا عليها من عهود الظلمة والقهر خلال السيطرة الاستعمارية الغربية، وما تزال فاعلةً فينا بقوة لا نَدْرِيها، ولم نفكر من أجل تغييرها، وبذلك أصبحنا نعيش استمراريةَ عصر الانحطاط.

إن المتأمِّل لواقعنا يُدرِك أن عقاربَ ساعة التخلف ستُواصِل زحفها، ولا شك أننا سنبقى إلى مدَّة طويلة نستورد التسميات ومعها الأسماء ما دمنا عاجزين عن الإنتاج ونعيش تشتتًا عربيًّا وتجزئة للمواقف.

والأمر ليس قدرًا محتومًا، ولا قضاءً مفروضًا، فيمكن عن طريق الاتصال العلمي، والتحويل التكنولوجي، والاستعداد المسبق، والأخذ بمتطلبات الحداثة والعصرنة، واستغلال المناهج العلمية، والتزام الموضوعية في طرح المسألة بعيدًا عن العاطفة المفرطة – أن نُحقِّق قَفزةً نوعية نحوَ استخدام اللغة العربية في تسيير شؤون الأمة وتعليم العلوم لأبنائها.

هـ – ما يشغَلُنا اليوم:
كيف نجعلُ العربيةَ لغةً مريحة للاستعمال العلمي والفني، والاستعمال العلمي واليومي؟
وكيف يغدو الناسُ قادرين على استعمالِ اللغة في راحة واطمئنان؟

إن الأمر يتطلب البَدْءَ في مشروع نَهْضَوي يُوحِّد الأمة، يستدعي:
1- الخروج مِن الازدواجية الغبيَّة، عن طريق تعميم اللغة الفصيحة وتفصيح العامية.

2- رفع درجة الثقة والاعتزاز بالشخصية الوطنية والقومية، والغَيْرة على الهُوِيَّة لدى أبناء الوطن حتى لا ينبهرَ أبناؤنا بالآخر.

3- اتِّخاذ اللغة العربية وسيلةً للابتكار وتعليم العلوم، فالتحدِّي الذي يواجه العربية هو استتباب العلم وتوطين التكنولوجيا عربيًّا، واللغة هي المهد الذي ينبت فيه العلم، وأي لغة لا تنتج العلم فهي عقيمةٌ.

4- انتهاج سياسة التعريب المستمرِّ مِن أجل نقل المعرفة لا على مستوى المدارس والجامعات فحسب، بل على المستوى الجماهيري باستغلال كل الوسائل الممكنة من إعلام مكتوب ومرئي ومسموع، وتوظيف المؤسسات الوطنية والجمعيات والأحزاب السياسية؛ ذلك أن التعريب مطلبٌ وطني؛ إذ لا يمكن إطلاقًا تخطيط تنمية بلغة الأجنبي، والتاريخ يؤكد لنا أن الدول التي استعملت لغات الغير في المجال التنموي باءت بالفشل.

وقد كتب الجابريُّ يومًا في قضية التعريب قائلًا: “فنحن إذًا أمام أمرينِ لا ثالث لهما، إما أن نعرب التعليم، وإما أن نُفَرْنِس الشعب”، ومِن هنا وجب تعريبُ الحياة العامة، ولا يتمُّ ذلك إلا بتوفُّر جملةٍ مِن الشروط، يأتي في مقدمتها:
• الإرادة السياسية قبل الإرادة العلمية.
• التنسيق العلمي والتنفيذ العملي.
• الإيمان بتعريب الفكرة قبل تعريب اللسان.
• التقويم المستمر والدائم تجنبًا للأخطاء والهفوات.

وأخيرًا:
فإن اللغةَ أداةٌ فاعلة لجمعِ الشمل والمساهمة في تحقيق الوَحدة والمحافظة عليها؛ لذلك فكلُّ أمةٍ تُولِي لغتَها العنايةَ القصوى، وهذا ما ينبغي أن يكون عندنا، فالعربية في حاجةٍ لمَن يُحقِّق لها في ظلِّ العَوْلَمة الاستجابةَ الفاعلةَ.

________________________________________
[1] عبدالكريم بكار، فصول في اللغة والأدب، ص 54.
[2] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة – بيروت، 1984.
[3] أرنست رينان (1823 – 1892م) مؤرخ وكاتب فَرَنسي، خاض نقاشًا حادًّا حول الفكر الديني والعِرْقي، وهو من أشد أعداء المسلمين، ومع ذلك لم ينكر عظمة اللغة العربية وجمالها وقدر تراثها؛ عن الموسوعة العالمية الحرة، منير البعلبكي 1991، ص 281.
[4] أنور الجندي، المؤامرة على الفصحى لغة القرآن، دار بوسلامة، تونس، د ط، 1985، ص17.
[5] السيوطي، المزهر، 1/140.
[6] ابن خلدون، المقدمة، الشركة التونسية للنشر والتوزيع، ط/12، 1972، 2/157.
[7] مجلة المستقبل العربي، العولمة والسوق العربية المشتركة، ص142.
[8] محمد عبدلله دراز، العلاقات الدولية في الإسلام.
[9] مجلة عالم الفكر globasisation، ص 8.
[10] حسن حنفي، ما العولمة، ص 20.
[11] نفسه ص 41.
[12] مجلة العربي، سنة 2008، “إعلام العولمة وتأثيره في المستهلك”، ص12.
[13] محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر العربي المعاصر.
[14] مجلة العربي، العدد 678، مايو 2015، ص43.
[15] عالم المعرفة، اللغة والاقتصاد، ص 48.
[16] مجلة المعرفة، العدد 432، تشرين الأول 1999.
[17] زكي نجيب محمود، تحديد الفكر العربي، دار الشروق ص 227.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *