الرئيسية / دين ودنيا / المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا يتحدث عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا يتحدث عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

 

بقلم \ الكاتب و المفكر العربى الدكتورخالد محمود عبد اللطيف
رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي ، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنَّة، قوي الإيمان، ذو الفراسة والفطنة والذكاء، والهيبة والشجاعة والدهاء، من أشراف قريش في الجاهليَّة، وله المكانة الرفيعة عندهم ، أسلم وعمره سبعة وعشرون عامًا، أعز الله به الإسلام، قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه -: “ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر”.
سماه النبي – صلى الله عليه وسلم – الفاروق؛ أي: الذي يفرق بين الحق والباطل، قوي في دين الله، عظيم، كان الشيطانُ يفرُّ منه، صاحبَ رسول الله، هاجر جهرًا، وشهد المشاهد كلها، أحبَّه النبي، وقرَّبه إليه، وأدناه منه، سأل عمرو بن العاص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن أحب الرجال إليه، فقال: ((أبو بكر))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم عمر بن الخطاب))، وعد رجالاً، وهو أوَّل خليفة دُعِي بأمير المؤمنين، وأوَّل من أرَّخ التاريخَ الهجري، وأوَّل مَن جمع القرآن في المصحف، وأوَّل مَن جمع النَّاس على إمام واحد في صلاةِ التراويح، وأوَّل من فتح الفتوح، ومصَّر الأمصار، واستقضى القضاة في البلدان، وأول من طاف بالليل يتفقَّد أحوالَ المسلمين، وحجَّ بأزواج رسول الله – صلى الله عليه وسلم -في آخر حجَّةٍ حجَّها.
من أشد الناس حرصًا على العلم، شهد له النبي – صلى الله عليه وسلم – بالعلم الراسخ؛ قال ابن عمر: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((بينما أنا نائم أوتيت بقدح من لبنٍ، فشربت منه حتى إنِّي لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطيتُ فضلِي عمرَ))، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: ((العلم)).
قال ابن مسعود: “لو أنَّ علم عمر وضع في كفَّة ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في كفة، لرجح علم عمر بعلمه”.
ذو الرأي الثَّاقب، والعقل الراجح، كان – صلى الله عليه وسلم – يشاوره في الأُمور العظام، فشاوره في أسرى بدر، وقال: ((ما ترى يا ابن الخطاب؟)).
رجل ملهَم، كلامه من أجمع الكلام وأكمله؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحدَّثون، يكلمون من غير أنْ يكونوا أنبياء، فإن يكُ في أمتي أحد، فإنه عمر))، يُحب الصلاة، ويأمر بها، وكان يقول: “لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة”.
وُلِّيَ أمر المسلمين عشر سنين، ملأها بالعدل والنُّصح والرحمة، كان يجلس للناس بعد كل صلاة، وكان يقول: “لو مات جمل ضياعًا على شطِّ الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه”، وكان يقول: “أَحَبُّ الناس إليَّ مَن أَهْدى إلي عيوبي”.
عابد لله قانت، كثير الصلاة في الليل، كثير الصيام، وعن سعيد بن المسيب قال: “كان عمر يحب الصلاة في جوف الليل”، كان – رضي الله عنه – شديدَ الخوف من الله؛ عن الحسن: “كان عمر يمرُّ بالآية من وِرْده، فيسقط حتَّى يعاد منها أيامًا”، وعن عبد الله بن عامر قال: رأيت عمر بن الخطاب أخد تِبنة من الأرض، فقال: “ليتني كنتُ هذه التِّبنة، ليتني لم أُخلق، ليت أمِّي لم تلِدني، ليتني لم أكن شيئًا، ليتني كنت نسيًا منسيًّا”.
وقال أنس: “خرجت مع عمر يومًا، فدخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، والله لتتقِيَنَّ الله – ابنَ الخطاب – أو ليعذبنَّك”.
تمضي عليه الأيام والليالي لا يجد طعامًا يأكله، عادل بهر رعيته، قال له ابن عباس: “لقد ملأت الأرض عدلاً”.
وفِي عَهْده قَوِيَ سلطانُ الإسلام، وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، حتَّى قيل: إنَّ الفتوحاتِ قد بلغت في عهده ألفًا وستًّا وثلاثين مَدينة مع سوادها، بَنَى فيها أربعةَ آلاف مسجد.
رحيم بالضُّعفاء والفقراء، خرج مرةً في سواد الليل فرآه طلحة – رضي الله عنه – فذهب عمر، فدخل بيتًا، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، وإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: “ما بال هذا الرجل يأتيك؟ “، فقالت: “إنه يتعاهدني، يأتيني بما يُصلحني، ويُخرج عني الأذى”.
أمَّا حاله مع وُلاته، فقد ورد في السِّيَر: أنَّ رجلاً من مصر جاء إلى عمر شاكيًا محمدَ بن عمرو بن العاص، حيثُ اشترك معه في سباق، فلما سبقه، بدأ يضربه ابن عمرو بن العاص، ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمينِ، فما كان من عمر – رضي الله عنه – إلاَّ أن استدعى عمرًا وابنه محمدًا، وقال للرجل: خذ الدرَّة، فاضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى، قال: خذ الدرة، واضرب بها عمرًا، فو الله ما ضربك إلاَّ بفضل سلطانه، فقال الرجل: يا أميرَ المؤمنين، قد استوفيت حقي، وضربت من ضربني، فقال عمر: أَمَا والله لو ضربته، ما حلنا بينك وبينه، ثُمَّ التفت إلى عمرو وقال له: “يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتُهم أحرارًا”.
يخرج – رضي الله عنه – ذاتَ مَرَّة إلى السوق، فيرى إبلاً سمنًا تميزت عن الإبل، فيسأل: إبل مَن هذه؟ فيقولون: إبل عبد الله بن عمر، فغضب، ويرسل في طلبه، ويسأل عن الإبل، فيقول عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما -: إنها إبل هزيلة اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحِمى لأرعاها، فقال له عمر: ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل أمير المؤمنين واسقوها، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربْحك يا ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربحَ في بيت مال المسلمين، وعندما زاره مستشارُ كسرى ورآه نائمًا تحت شجرة، وقد وضع دُرَّته بجانبه، وعليه ثوبه المرقع، قال كلمته المشهورة: “حكمتَ، فعدلت، فأَمِنْتَ، فنِمت، يا عمر”.
ومرض مرَّة فنُعِت له العسل، وكان في بيت المال عكَّة فيها شيء من العسل، فخرج يومًا حتَّى جاء المنبر، وقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاَّ فهي عليَّ حرام، فأذنوا له.
ويدخل عام الرمادة سنة ثماني عشرة للهجرة، فيقضي على الأخضر واليابس، ويموت الناس جوعًا، حلف عمر ألاَّ يأكل سمنًا حتَّى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتَّى يُباشر بنفسه توزيعَ الطَّعام على الناس؛ عن طاووس عن أبيه، قال: “أجدب النَّاس على عهد عمر، فما أكل سمنًا ولا دسمًا حتَّى أكل الناس”، قال أسلم: “كنا نقول: لو لم يرفع الله – سبحانه وتعالى – الضَّائقة عام الرمادة، لظننا أنَّ عمر يموت همًّا بأمر المسلمين”.
عن يحيى بن سعد قال: “اشترت امرأة لعمر فرقًا من سمن، فقال عمر: ما هذا؟ قالت: هو من مالي، وليس من نفقتك، فقال عمر – رضي الله عنه -: ما أنا بذائقه حتَّى يحيا النَّاس”.
حجَّ عمر- رضي الله عنه – بالمسلمين آخر حجة له، ووقف يوم عرفة، فخطب الناس، ثم استدعى أمراءَ الأقاليم، وحاسبهم جميعًا أمام الناس، واقتصَّ للناس منهم، وبعد أن انتهى ذهب ليرمي الجمرات، فرماه أحدُ الحجاج بحصاة في رأسه، فسال دمه، فقال عمر: هذا قتلي يعني: أنني سوف أقتل – قال سعيد بن المسيب – رضي الله عنه -: “لَمَّا صدر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – من منى، أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة من بطحاء، ثم طرح عليها رداءه، واستلقى، ثم مدَّ يديه إلى السماء، فقال: اللَّهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرِّط”.
فرجع إلى المدينة وهو يتمنَّى الشهادة، قالت له حفصة ابنته: يا أبتِ، موت في سبيل الله، وقتل في مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إن من أراد أن يقتلَ، فلْيذهب إلى الثُّغور، فيجيب عمر: سألت ربِّي، وأرجو أن يُلبي لي ربي ما سألت”.
وَصَلَ عمر – رضي الله عنه – إلى المدينة، ورأى في المنام أنَّ ديكًا ينقره نقرتين أو ثلاثًا، فعبروا له الرُّؤيا، فقالوا: يقتلك رجل من العجم، فقام وخطب الناس، وقدَّم نفسه للمُحاسبة، وجِسْمَه للقصاص، ومالَه للمُصادرة، وأعلن في الناس: إنْ كان ضيع أحدًا أو ظلم أحدًا أو سفك دَمَ أحد، فهذا جسمي، فليقتص منه، فلما فعل ذلك، ارتجَّ المسجد بالبكاء، وأحسَّ المسلمون أنَّه يودعهم، ثُمَّ نزل من على المنبر، واستودع اللهَ الأُمَّة، وكانت هذه هي آخر جمعة يلتقي فيها أمير المؤمنين بأُمَّة محمد – صلى الله عليه وسلم -.
فبينما عمر يصلِّي بالناس صلاةَ الفجر، إذْ طعنه أبو لؤلؤةَ المجوسي، وطعن معه ثلاثةَ عشر رجلاً، فقال عمر: قتلني الكلبُ، وتناول عمر يدَ عبد الرحمن بن عوف، فقدَّمه ليتمَّ الصلاة، وأهلُ المسجد لا يدرون ما يَجرِي إلاَّ مَن كان خلفَ عمر، غيرَ أنَّهم فقدوا صوتَ عمر، وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلَّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفة، فلمَّا انصرفوا، قال عمر: يا ابنَ عباس، انظر من قتَلني، فذهب ابنُ عباس، ثم عاد، فقال: قتلك غلامُ المغيرة، قال عمر: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل مِيتَتي بِيَد رجُلٍ يَدَّعي الإسلام، فاحتمل إلى بيته فانطلَقنا معه، وكأن الناس لم تصِبهم مُصيبة قبل يومئِذ، فقائل يقول: لا بأسَ، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميِّت، وقال لابنه عبد الله: انطلِق إلى عائشة أم المؤمنين، وقل: يستأذن عمرُ بن الخطاب أنْ يبقى مع صاحبيه، فسلَّم عبدالله بن عمر، واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السَّلام، ويستأذن أنْ يُدفَن مع صاحبيه، فقالت: “كنت أريده لنفسي، ولأوثرنَّه به اليوم على نفسي”.
قال ابنُ عباس – رضي الله عنه -: “دخلتُ على عمر حين طُعن، فقلت: أبْشِرْ بالجنة يا أمير المؤمنين، أسلمتَ حين كَفَرَ الناس، وجاهدت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين خذله النَّاس، وقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو عنك راضٍ، ولم يختلفْ في خلافَتِك اثنان، وقُتلت شهيدًا، فقال عمر: أعدْ عليَّ، فأعدت عليه، فقال: “والله الذي لا إله إلا هو، لو أنَّ لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء، لافتديت به من هول المطلع”.
وقال عثمان – رضي الله عنه -: أنا آخركم عهدًا بعمَر، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبدالله بن عمر، فقال له: ضع خَدِّي بالأرض، قال: فهل فخذي والأرض إلاَّ سواء؟ قال ضع خدي بالأرض لا أمَّ لك – في الثانية أو في الثالثة – ثم شبك بين رجليه، فسمعته يقول: ويلي، وويل أمِّي إن لم يغفر الله لي، حتَّى فاضت روحه.
وكان عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – عندما يُذكر له عمر، يبكي حتَّى تبتلَّ الحصى من دُموعه، ثم يقول: إنَّ عمرَ كان حصنًا للإسلام يدخلون فيه، ولا يخرجون منه، فلما مات انثَلَم الحصنُ، فالناس يخرجون من الإسلام، قال – صلى الله عليه وسلم -: ((خير هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر ثمَّ عمر))؛ البخاري، وقد كان السَّلف يُعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر، كما يعلمونهم السور من القرآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *