الرئيسية / مقالات / الرئيس التنفيذى لجامعة سيتي بمملكة كمبوديا يتحدث عن التصحر فى العالم العربى

الرئيس التنفيذى لجامعة سيتي بمملكة كمبوديا يتحدث عن التصحر فى العالم العربى

 

بقلم \ الكاتب والمفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى ، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية للأمم المتحدة
تُعَدُّ ظاهرة التصحُّر إحدى الآفات الاقتِصاديَّة الخطيرة التي تنخِر في جسد عالمنا العربي، ورغم أنَّ الظَّاهرة عالميَّة أيضًا، إلاَّ أنَّ معظم الأراضي المعرَّضة للتصحُّر تقع في الدُّول النَّامية بصفة عامَّة، والعربيَّة بصفة خاصَّة؛ إذ تؤكِّد الإحصاءات أنَّ حوالي 357.000 كم2 من الأراضي الزراعيَّة أو الصالحة للزِّراعة – أي: نحو 18% من مساحتِها الكلِّية، والبالغة 1.98 مليون كم2 – أصبحت واقعة تحت تأْثير التصحُّر.

الأسباب:
وعن المفْهوم، فقدِ اعتبرتْه اتفاقيَّة الأُمَم المتَّحدة للتصحُّر بأنَّه: عمليَّة تردِّي الأراضي في المناطق الجافَّة وشبه الجافَّة، والجافَّة شبه الرطبة، الناتج من عوامل متعدِّدة تتضمن الاختلالات المناخية والأنشطة البشريَّة.

وبالتَّالي فإنَّ أسباب التصحُّر ترجع إلى عاملين:
الأول: خاصٌّ بالمتغيرات المناخيَّة.

الثَّاني: يتعلَّق بالأنشِطة البشريَّة، حيث تقع معظم البلاد العربيَّة في النطاقات الجافَّة وشبه الجافَّة؛ حيث إنَّ 95% من الأراضي تَحصُل على أقلَّ من 400م3 من الأمطار سنويًّا، في حين أنَّ النسبة الباقية فقط يسقط فيها أكثر من 400 م3 سنويًّا.

ففي العراق مثلاً، نجِد أنَّ 70% من أراضيه يسودُها المناخ الصَّحراوي، خاصَّة في السَّهل الرسوبي والهضبة الغربيَّة، حيث تتراوح الأمطار السنوية ما بين50 – 200 م3، كما تعرَّضت الغابات الشَّماليَّة لتدهْوُر شديد إثر العمليَّات العسكريَّة للنظام السَّابق ضدَّ الأكراد، والتي أدَّت إلى فقدان ما يزيد على 3 آلاف هكتار خلال ثلاث سنوات فقط، من عام 1989 حتى 1990.

كما أدَّت الحروب الكثيرة الَّتي خاضتْها الدَّولة العراقيَّة – خاصَّةً الحربَ مع إيران – إلى تدْمير البيئة الزِّراعيَّة، خاصَّة النَّخيل الَّذي يلعب دورًا بارزًا في التصدِّي للتصحُّر وكمصدَّات للرياح، وتراجعت أعداده من 30 مليون إلى 12 مليون.

كذلك دمَّر الاحتِلال الأمريكي الأخضَرَ واليابس في بلاد الرَّافدين، فبعد أن كان يتصدَّر العراق بلدان العالم من حيثُ عددُ أشْجار النَّخيل، وكمية إنتاج التُّمور، التي كانت تمثِّل 38 % من الإنتاج العالمي، بإنتاج يقدِّر بـ 480 ألف طن، أصبح في العام 2005 لا يتعدَّى 400 ألف طن، حسب إحصاءات منظَّمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وبالإضافة إلى تدْمير زراعات النَّخيل العراقيَّة وتدْمير الغابات، يتعرَّض 1% من الأراضي العراقيَّة المرويَّة للتملُّح، وبالتَّالي تفقِد قدراتِها على الإنتاج الزِّراعي.

وفي الدُّول العربيَّة الأُخْرى، لم يختلف الأمر كثيرًا عن العِراق؛ بل منها ما هو أشدُّ فداحةً، فقد شهِدت أطراف الصَّحراء الكبرى، في كلٍّ من مصْر وليبيا، وتونس والجزائر، والمغرب وموريتانيا – تحوُّل ما يزيد على 650 ألف كم2 من أراضيها إلى أراضٍ متصحِّرة خلال 50 سنة فقط.

وفي السودان، فإنَّ خطَّ جبهة التصحُّر تقدَّم بمعدل 90 إلى 100 كم في السنة، خلال السَّنوات الأخيرة، فيما أدَّى التَّدهْور الزِّراعي في سوريا إلى تعرُّض أكثر من 50% من الأراضي الزراعيَّة لأخطار الملوحة.

وفي المغْرِب العربي، أشار وزير الزِّراعة اللِّيبي إلى أنَّ ظاهرة التصحُّر في مقدِّمة الأخطار المحْدِقة بالزِّراعة، والأمن الغذائي، والبيئة، في دول المغرب العربي الخمس، وأرْجع ذلك إلى محْدوديَّة الموارد الطبيعيَّة المتاحة وقسْوة الظروف المناخيَّة في هذه المنطقة، التي تضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

وأكَّدت الأمانة العامَّة لاتِّحاد المغرب العربي: أنَّ ما يقارب 85% من الأراضي المغربيَّة تعاني من وطأة التَّأثير السَّلبي المباشِر لظاهرة التصحُّر.

ولا تفوتُنا هنا الإشارة إلى الفرْق بين التصحُّر والصَّحراء، حيث يختلط المفهومان لدى الكثيرين، فيؤكِّد الخبير الاقتِصادي عبدالوهاب العفيفي أنَّ الصحراء نظام بيئي، بيْنما التصحُّر ظاهرة تحْدُث نتيجة للإخْلال بين السكَّان والموارد الطبيعيَّة في أي منطقة، وغالبًا ما يحدث لكوْن الأنظمة الأيكولوجية في هذه المنطقة هشَّة، وسريعة التَّأثُّر، وتفقد مواردها بسهولة؛ نتيجة سوء الاستعمال والاستغلال غير المرشَّد من قبل البشر، مع عوامل مناخيَّة وطبوغرافيَّة مساعدة ومشجِّعة لهذا التدهْور.

وعن العوامل البشريَّة، يؤكِّد الخبراء أنَّها تلعب دورًا رئيسًا في خلْق التصحُّر في العامل العربي، خاصَّة في ظلِّ الزيادات السكَّانيَّة الكبيرة التي شهِدها في الآونة الأخيرة، فقد وصل بداية العام نحو 317 مليون نسمة، بمعدَّلات نمو تفوق مثيلاتِها العالميَّة، ففي الكويت مثلاً بلغ متوسِّط النموِّ السكَّاني في الفترة من 2000 حتى 2005 نحو 3.5%، وفي الصومال 4.2%، والسلطة الفلسطينية 3.6%، واليمن 3.5 %، والسعودية 2.9%.

إنَّ الزيادات المستمرَّة في أعداد السكَّان تؤدِّي – بطبيعة الحال – إلى تزايُد الضغوط على الأراضي الزراعيَّة، واستِنْزاف خصوبتها، وخير مثال على ذلك هو ما يتعرَّض له الجنوب السوداني من ضغوط بشريَّة هائلة، إذ يخصّص 2 – 4 فدَّان من الأراضي لكلِّ أسرة من أسر اللاجئين إلى السودان من الدُّول الأفريقيَّة المجاورة، وكما هو معروف تتميَّز هذه المناطق بقلَّة خصوبتها، مما يضطرّ المزارعين إلى تكثيف زراعة المحاصيل، مما يهدِّدُها بالتصحُّر السَّريع، وتفقد كامل خصوبتها.

آثار بالغة:
لا شكَّ أنَّ التصحُّر يؤدي إلى عدد من الآثار البيئية والاجتماعية، وأصبح بحق خطرًا يهدد الدول العربية؛ إذ يؤدي إلى هجرة سكان الريف والمناطق الصحراوية إلى المدن، مما يشكل أعباء إضافية على الحكومات العربية، إلى جانب عدم التوازن في توزيع السكان، مما يحبط خطط التنمية.

كما يهدِّد التصحُّر بصورةٍ كبيرة الأمنَ الغذائي العربي، لاسيَّما أنَّ المجتمعات العربيَّة ما زالت زراعيَّة بالأساس، رغْم خطوات العديد منْها إلى الدُّخول إلى عالم التكنولوجيا الصِّناعيَّة.

وفي ذات السِّياق، فقد أكَّدت دراسة حديثة صادِرة عن المرْكز العربي لدِراسات المناطق الجافَّة والأراضي القاحِلة “أكساد”، التَّابع لجامعة الدول العربية، بالتَّعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “ايكادرا”: أنَّ ظاهرة تدهور الأراضي الزراعية تعدُّ من أهم المشاكل البيئية التي يعاني منها العالم العربي بشكل أثَّر بشدَّة على الإنتاج الزراعي بشقَّيه النباتي والحيواني، ويهدِّد بقوَّة الأمن الغذائي لدُول المنطقة.

وأوْضحت الدِّراسة أنَّ آثار التصحُّر الاقتِصاديَّة تتمثَّل في تراجُع الإنتاج الزِّراعي، والدَّخل العام للمُزارعين وللدُّول بشكْلٍ عام، وتحمل الموازنة العامَّة أعباء إعادة تأهيل الموارد والبِنى الأساسيَّة، والتَّأثير على نشاطات اقتِصاديَّة عديدة بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضْلاً عن تسبُّب التصحُّر في إزالة الغطاء الشجَري والنَّباتي في الأراضي الجبليَّة والمنحدِرة في دول المغرب العربي، ممَّا جعل احتِمالات وقوع الفيضانات أكثر حدوثًا، وتسبَّب في إهدار كميَّات كبيرة من المياه والتربة، مشيرة إلى أنَّ الكُلْفة الاقتِصاديَّة للتَّدهور في نوعيَّة وتلوُّث المياه والهواء والمناطق الساحليَّة – تقدَّر في بعض الدُّول بحوالي 6.4 من النَّاتج المحلي الإجمالي، فيما تراوحتْ هذه الكُلْفة في تونس والجزائر ولبنان، والأردن وسوريا ومصر، ما بين 2.7 ، 7.4 % من الناتج المحلي لهذه الدول.

خطة عربية مشتركة:
على الرَّغْم من إدْراك العديد من الدُّول العربيَّة لخطورة وآثار التصحُّر، إلاَّ أنَّ الجهود العربيَّة في هذه المجال لم ترْقَ بعدُ إلى المستوى المطْلوب، فلا بدَّ أن تحتلَّ مكافحة هذه الظَّاهرة قائمة الأولويَّات الحكوميَّة، عن طريق تبنِّي برامج محدَّدة الأهداف والمعالم، تَهدف إلى وقْف طوفان التصحُّر من ناحية، وعلاج الأراضي المتصحِّرة أو المهدَّدة بالتصحر من ناحية أخرى.

ومن الضَّروري وضْع خطَّة عربيَّة مشتركة لمواجهة التصحُّر، تشترك فيها الجهات الرسميَّة مع المواطنين ومؤسَّسات القطاع الخاص، تقوم على الاستِعانة بخبرات الدُّول المتقدِّمة في هذا المجال، وتضع برامج لتوْعية المواطنين بأخطاره، وحماية الغابات وإصدار قوانين تجرِّم القطع العشوائي للأشجار، مع وضْع آليَّات لاستخدام المراعي، تُراعي الظُّروف البيئيَّة والطاقة الزراعيَّة لكل منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *